في أقل من ربع قرن تحوّل النسيج التعاوني في قطاع الصيد البحري بالمغرب من بنية صغيرة ومحدودة الإمكانيات إلى جسم مهني يلامس عتبة 800، منها ما يزيد عن 87 تعاونية نسوية، تضم مجتمعة حوالي تسعة آلاف منخرط ومنخرطة. هذا التحوّل لم يكن حدثاً عابراً، بل ثمرة مسار تراكمت فيه جهود التأطير والمواكبة والدعم التي أشرف عليها الجهاز الوصي على قطاع الصيد ، مدفوعا برؤية استراتيجية أرساها التخطيط الإسترتيجي والتحفيزي، الذي يجعل من العنصر البشري محوراً للتنمية والاستدامة.

ورغم أن عدد التعاونيات البحرية ارتفع من 12 تعاونية فقط سنة 2000 إلى نحو 777 تعاونية في 2025، فإن هذا التوسع العددي جاء مقروناً بتحولات نوعية في طرق التدبير والحكامة. فقد انتقلت التعاونيات من تجارب بسيطة مرتبطة غالباً بتدبير أدوات العمل أو تنظيم الإنتاج الأولي، إلى فاعل محلي قادر على تقديم خدمات اجتماعية ومهنية لأعضائه، وعلى المشاركة في المعارض الوطنية والدولية، والاستفادة من تبادل التجارب والخبرات، خصوصاً عبر الزيارات المنظمة ضمن برامج الإرشاد البحري.
غير أن النمو الكمي والنوعي لا يخفي واقعاً مريراً يردده الفاعلون من قلب الميدان. فالتطور، في نظر كثيرين، لم يرق بعد إلى مستوى الدينامية التي يعرفها القطاع نفسه، ولا إلى حجم التحديات المطروحة أمام الاستدامة البحرية أو الاقتصاد التضامني. داخل عدد من التعاونيات يستمر غياب رؤية واضحة للجمعيات العامة، وضعف تحديد جداول أعمال مضبوطة زمنياً، وقصور ثقافة تدبير المشاريع التي تُفترض أن تكون عماد التعاونية المعاصرة. ويضاف إلى ذلك هشاشة آليات حل النزاعات وضعف التواصل الداخلي، وهي عوامل تجعل عدداً من هذه التشكيلات المهنية يتحرك بمجهود أفراد أكثر مما يتحرك بتماسك جماعي.
والمؤسف أن جزءاً غير يسير من التعاونيات مازال يشتغل بمنطق الخدمات الآنية للمنخرطين، في حين أن روح الاقتصاد الاجتماعي والتضامني تستدعي الانتقال نحو التعاونية الإنتاجية التي تطوّر مشاريع وتراهن على الاستثمار وتخلق قيمة مضافة مستدامة. فالتنظيمات المهنية لن تبلغ أدوارها التنموية ما لم تعتنق رؤية ترى في التعاونية أداة لتثمين الموارد وحماية الثروة البحرية أكثر مما تراها وسيلة لتصريف منتجاتها فقط، ورهاناً لاستدامة المصايد أكثر مما هي رهان لربح ظرفي. هنا يظهر إمكان النموذج التعاوني كرافعة للبيئة البحرية، إذا ما تمت مواءمة نشاطه مع إكراهات المناخ والتغيرات في موارد البحر.
كتابة الدولة تدرك هذه المفارقة، ولذلك تسعى إلى تعزيز التوجه الإصلاحي عبر برامج دعم وتمويل جديدة، وهي التي عمدت إلى إطلاق برنامج طموح يرمي الى دعم تعاونيات الصيد البحري الصيد البحري. حيث يطمح هذا البرنامج الذي تم إطلاقه في نسخته الثانية بعد نسخة 2021 ، لإعطاء دينامية جديدة في الحركة التعاونية لقطاع الصيد البحري، من خلال تقديم دعم تقني ومادي للتعاونيات الحاملة لمشاريع مبتكرة ، من اجل تحقيق اهداف اجتماعية إيجابية.
كما عمدت كتابة الدولة إلى عقد شراكات مع قطاعات كالصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي ومكتب تنمية التعاون والوكالة الرقمية. فيما تم إطلاق برنامج طموح لتقوية قدرات التعاونيات، عبر التكوين المتواصل لاسيما وأن هناك رهان كبير على تحفيز الفاعلين على التشبيك في هيئات متناسقة، لتحفيز التنظيمات البيمهنية على مستوى سلسة القيمة . لذلك فتكثيف التكوين الميداني، يبقى ضرورة لضمان سلامة الحكامة والتدبير وتقوية القدرات في مواجهة تحولات السوق والبيئة البحرية معاً.
وحسب المهتمين فإنه لا يمكن إنكار حجم التقدم الحاصل مقارنة بالسياق الإقليمي، إذ تُعد التعاونيات البحرية المغربية اليوم أكثر نضجاً من مثيلاتها في العالم العربي وإفريقيا، بفضل دعم مؤسساتي مستمر وتأطير مباشر من صناع القرار القطاعي ، وكذا المرشدين البحريين على مستوى معاهد ومراكز التكوين البحري التابعة لمديرية التكوين البحري ورجال البحر والإنقاذ. لكن الرهان الأكبر اليوم لم يعد قائماً على العدد أو على التنظيم القانوني فقط، بل على جعل التعاونية فاعلاً اقتصادياً قادراً على الإبداع وعلى الانخراط في سلسلة القيمة البحرية من الإنتاج إلى التسويق، وعلى حماية المورد البحري الذي يشكل عمق وجودها.
ويقف الجسم التعاوني في قطاع الصيد البحري اليوم عند مفترق طرق، إما أن يستمر كتكتل مهني يتغذّى على الدعم الخارجي والمؤسساتي ، أو يتحوّل إلى قوة إنتاجية تضامنية تستفيد من المحيط والموارد، وهو ما يتطلب إمتلاك مشروع اقتصادي واضح، ولعب دوراً محورياً في الإستدامة البحرية. وهذا التحوّل لن يصنعه المشرّع وحده ولا السلطات الوصية، مهما كانت سخية في برامجها وخططها التمويلية، بل ستصنعه الشجاعة الجماعية في إعادة تعريف دور التعاونية وفق مقاربة تكون فيها التنمية المحلية ووالإستغلال المستدام للموارد البحرية حجر الزاوية.


























