بقلم عبد الخالق جيخ*
في لحظة يتقاطع فيها العلمي بالمهني، والبيئي بالاقتصادي، يطفو على السطح خبرٌ يصعب تجاهله: ما يحدث اليوم قبالة سواحل بنما لا يخص تلك الجهة من العالم وحدها، بل يوقظ أسئلة كبرى تخص كل من يعتمد على البحر مورداً ورئةً واستمراريةً. لقد توقف “محرك الحياة” في خليج بنما، ذلك النظام الدقيق الذي ينهض على الانبثاق البحري الموسمي، في مشهد لم يُسجَّل منذ أربعة عقود. فالواقع ليس مجرد اضطراب عابر، بل انهيار كامل لآلية بيئية تُعد أساس الإنتاج البحري في واحدة من أهم المناطق الإستوائية.

إن هذه الظاهرة، التي تقوم على صعود المياه الباردة المحمّلة بالمغذيات إلى السطح بفعل الرياح التجارية الشمالية كما ترصدها الدراسات الدقيقة، ليست بمجرد حركة عمودية في عمق المحيط، بل سلسلة حياة كاملة: نيتروجين وفوسفات يغذيان العوالق، وعوالق تُنعش الأسماك الصغيرة، وتلك الأخيرة تصنع وجود الأنواع الأكبر، وصولاً إلى الحيتان التي تعتمد على تلك الدورة الدقيقة. ومع ذلك، تسجّل الأرقام الحالية توقفاً كلياً لهذه العملية، صفراً في تركيز الكلوروفيل، وانهياراً يناهز 80% في المصائد، وارتفاعاً خطيراً في حرارة السطح، وابيضاضاً متسارعاً للشعب المرجانية.
ما يعنينا اليوم، نحن المشتغلين في قطاع الصيد البحري، لا توصيف الكارثة فحسب، بل فهم دلالاتها. لقد أثبتت التجربة البنمية أن غياب العوالق النباتية يعني انهياراً فورياً في السلسلة الغذائية، وأن اختفاء الأنواع التجارية من سردين وماكريل وأنشوفة ليس إلا أول المؤشرات. ثم يأتي الدور على الأنواع المهاجرة، وعلى الطيور البحرية، وعلى الثدييات التي تعتمد على سلاسل غذائية مستقرة. وفي الخلفية، يسقط واحد من أكبر حصون التنوع البيولوجي، إنها الشعاب المرجانية التي فقدت نظام التبريد الطبيعي، فابيضّت وانهارت وأغلقت معها موائل كانت تؤمن دورة حياة مئات الأنواع.
اقتصادياً، تحمل الحالة البنمية دروساً قاسية. أكثر من 200 مليون دولار خسائر سنوية مباشرة، و15 ألف صياد وعمّال بحر فقدوا مصدر رزقهم، ومجتمعات ساحلية باتت تهدر أمنها الغذائي. وكل ذلك نتيجة تراكم عالمي في أسباب تغير المناخ، ضعف الرياح التجارية، تغيّر الضغط الجوي، ارتفاع حرارة المحيطات، وظواهر مناخية متطرفة مثل النينيو. فما يحدث هناك ليس استثناءً، وإنما نموذجاً مصغّراً لما قد تصير إليه مناطق الانبثاق في العالم، بما فيها المناطق التي توفّر حصة كبيرة من الإنتاج السمكي الدولي.
القطاع المهني البحري مدعو اليوم لقراءة هذا الحدث كخط أحمر. فالمصائد لم تعد آمنة بالإعتماد على ديمومة النظم الطبيعية وحدها، ولا يمكن تجاهل إشارات التحول المناخي التي تغيّر توزيع الرياح والتيارات، وتعيد رسم خرائط الإنتاجية البحرية. لقد أصبح واضحاً أن إدارة المصائد يجب أن تُبنى على أنظمة إنذار مبكر، ومراقبة محيطية دقيقة، وسياسات صيد تتكيف مع التقلبات البيئية الشديدة، وليس فقط مع المواسم التقليدية.
ومن هنا فالتجارب العالمية يجب تدفع باتجاه حلول تبدأ بالاستعجال، عبر مراقبة حقيقية للمحيطات، دعم المجتمعات الساحلية عند الأزمات، خطط طوارئ تستبق الانهيارات البيولوجية، وسياسات تحمي المخزون قبل أن يلامس نقطة اللاعودة. وعلى المدى المتوسط والبعيد، يصبح توسيع البحث العلمي، وإنشاء محميات بحرية مبنية على المعرفة الديناميكية، وتأهيل الشعاب المرجانية، وتقوية التعاون الدولي ضرورة وليست خياراً. أما الصورة الكبرى، فهي خفض الانبعاثات وإعادة ضبط العلاقة بين الأنشطة البشرية واستقرار المحيط.
إن ظاهرة الانبثاق المتوقفة قبالة سواحل بنما تعد مرآة يطل فيها العالم المهني البحري على مستقبل ممكن لقطاع كامل، إن لم تُبادر السياسات إلى استباق الأزمة بدلاً من انتظار وقوعها. لأن ما يحدث هناك اليوم يمكن أن يصبح غداً واقعاً في أماكن أخرى، ما لم نُعِد صياغة علاقتنا بالبحر باعتباره منظومة حساسة لا تتحمل مزيداً من الضغط. إنها دعوة للنقاش، وللجرأة في مواجهة سؤال مصيري: ما الذي يجب فعله اليوم كي لا نصل إلى يوم نعجز فيه عن إصلاح ما انهار؟
*عبد الخالق جيخ فاعل كنفدرالي سابق مدون مهتم بشؤون الصيد البحري























