جيخ يكتب: المصايد في ميزان التدبير .. بين الإدارة والإرتجال!

4
Jorgesys Html test

بقلم: عبد الخالق جيخ *

بعد ما إنصرام الراحة البيولوجية المخصصة لصغار الأسماك السطحية، وجد البحارة أنفسهم مرة أخرى بين مطرقة الانتظار وسندان الحاجة. فالتوقف عن الإبحار ليس مجرد قرار إداري يعلق على جدار الميناء، بل هو انقطاع مباشر للقوت اليومي، وارتباك في دورة حياة أسر بأكملها، أوكما يردد البحارة بمرارة صادقة: “إذا جفت ثياب البحار جف جيبه”. ذلك أن البحر بالنسبة إليهم ليس فضاءً رومانسياً مفتوحاً على الأفق، بل هو مورد رزق يومي لا يحتمل الفراغ الطويل، خاصة في ظل غياب بدائل إقتصادية حقيقية قادرة على إمتصاص آثار التوقف.

فالقرار الذي همّ المنطقة الأطلسية الجنوبية، والقاضي بمنع صيد الأسماك السطحية الصغيرة بين فاتح يناير ونهاية فبراير 2026 في المجال الممتد بين رأس بوجدور والرأس الأبيض، جاء في سياق تدابير حماية المخزون. وتزامن معه قرار مماثل في الواجهة الأطلسية الوسطى بين تغناجت وبوجدور إلى غاية منتصف فبراير. ثم جرى تعديل المدة في الجنوب بتقليصها إلى 15 فبراير بدل 28 منه، بدعوى انتعاش المصيدة. غير أن المشهد لم يستقر على هذا الإيقاع طويلاً، إذ صدر لاحقاً القرار رقم PP.04/26 بتاريخ 26 فبراير 2026، الذي أغلق منطقة تركز صغار الأسماك بالمنطقة الأطلسية الجنوبية إلى غاية متم يونيو، حماية لمخزون السردين في أعماق تقل عن خمسين متراً.

فنحن هنا لسنا ضد الإغلاق في حد ذاته، فحماية المخزون السمكي ضرورة بيولوجية واقتصادية وأخلاقية. لا يمكن لأي قطاع أن يستمر وهو يستنزف رأسماله الطبيعي بلا حساب. لكن ما يثير القلق ليس مبدأ الحماية، بل منطق الإرتجال الذي يحكم مسار القرار. فكيف نفسر تسريع فتح الصيد بخمسة عشر يوماً بدعوى تحسن الوضع، ثم العودة إلى الإغلاق بعد أسابيع قليلة بسبب ما يشبه المجزرة التي تعرض لها المخزون؟ كيف يمكن للفاعلين أن يثقوا في بوصلة تتغير اتجاهاتها بهذا الشكل المتسارع؟

إن الإشكال لم يعد تقنياً محضاً يتعلق بتاريخ المنع أو مدته، بل أصبح بنيوياً يمس فلسفة التدبير برمتها. فنحن أمام منظومة يختلط فيها ضغط السوق بحسابات النفوذ، وتتقاطع فيها مصالح المستثمرين مع هواجس الإدارة، بينما يبقى البحار الحلقة الأضعف. فالمؤشرات الميدانية والعلمية تنبه منذ سنوات إلى هشاشة التوازن بين الإستغلال والحماية، لكننا ظللنا نؤجل الإعتراف بحجم الخلل، ونكتفي بعبارة مطمئنة تردد أن الأمور بخير، وحتى المخاوف تثار بنوع من التوجس، فيما الواقع يسير في اتجاه مغاير.

عبد الخالق جيخ

فالحقيقة المؤلمة أن المسؤولية جماعية، فجزء من المهنيين انخرط في سباق محموم نحو تعظيم الأرباح، ولو بإستعمال وسائل صيد مدمرة لا تميز بين كبير وصغير. وجزء من الإدارة وقع في فخ التردد والارتهان لمنطق رد الفعل بدل الفعل الإستباقي. أما البحث العلمي، فرغم أهميته، فإنه أحياناً ينغلق داخل نماذج جاهزة وبرمجيات مسبقة، من دون الإنصات الكافي لخبرة البحارة والربابنة الذين راكموا معرفة عملية دقيقة بتقلبات البحر وسلوك الأسماك. هذه الفجوة بين المعطى النظري والواقع الميداني تنتج توصيات يصعب تنزيلها، وتفتح الباب أمام قرارات متضاربة. وبالتالي فحسن التدبير لا يكون بالتأرجح بين قرار ونقيضه، بل بشجاعة الإعتراف أولاً بوجود أزمة حقيقية في طريقة تدبير الثروة السمكية. ومعه فالحقيقة اننا لسنا أمام خلل عابر، بل أمام تراكمات سنوات من التغاضي عن مؤشرات الإنذار المبكر. والنتيجة قطاع يئن تحت ضغط مالي وإجتماعي، ومخزون يتعرض لإستنزاف يهدد إستدامته.

لذلك تبدو الحاجة ملحة إلى مقاربة استثنائية تعترف بخصوصية الظرف. ولما لا إعلان قطاع الصيد البحري قطاعاً منكوباً بالمناطق المتضررة، ولن يكون هذا التفكير مبالغة خطابية، بل توصيف لواقع يتطلب تعبئة وطنية. فالمطلوب تشكيل خلية أزمة تضم مختلف القطاعات المعنية، لا لتبادل اللوم، بل لوضع خطة إنقاذ متكاملة. وتتولى دراسة إمكانية إعلان سنة 2026 سنة بيضاء،  تلتقط فيها المصايد أنفاسها، وتعويض البحارة النشطين المتضررين من الإغلاق، حتى لا يتحولوا إلى ضحايا مزدوجين للاستنزاف وسوء التدبير، ومساعدة المستثمرين على الحفاظ على مناصب الشغل، ثم التدخل لدى الأبناك وإدارة الضرائب والممونين لإعادة جدولة الإلتزامات بما يخفف الضغط المالي الخانق.

لكن كل ذلك لن يجدي نفعا إذا لم يؤسس على رؤية إستراتيجية واضحة، قوامها المعطى العلمي الصارم والشفافية في إعلان نتائجه، وإشراك حقيقي للمهنيين في صناعة القرار، وتقاسم عادل لكلفة الإصلاح. فالبحر ليس ملكاً لجيل واحد ولا لفئة دون أخرى، بل أمانة مشتركة. وإذا لم نمتلك اليوم شجاعة تصحيح المسار، فقد نجد أنفسنا غداً أمام واقع أشد قسوة، حيث لا ينفع الندم ولا تجدي القرارات المتأخرة. فالثروة السمكية  أمن غذائي وفرص شغل وتوازن اجتماعي في مناطق واسعة من البلاد. وحمايتها تقتضي الانتقال من تدبير موسمي مرتبك إلى تعاقد وطني صريح يعيد الإعتبار لمنطق الإستدامة.

عبد الخالق جيخ : فاعل كنفدرالي سابق مدون مهتم بشؤون الصيد البحري 

Jorgesys Html test

4 تعليق

  1. خريطة الطريق لتدبير المصايد الوطنية تم تحديدها من طرف المجلس الأعلى للحسابات من خلال توصياته لسنة 2018 ولسنة 2024-2025.
    *** احب من أحب وكره من كره.***
    نهاية الريع بكل اشكاله.

أضف تعليقا

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا