سفينة غارقة ووزير مفقود .. وبين الإثنين بوصلة تبحت عن الإتجاه في محاولة التركيب

0
Jorgesys Html test

محمد-عكوريبالرغم من كون قطاع الصيد الساحلي يعد من القطاعات الاستراتيجية في عملية التنمية الشاملة، نظراً للخدمات التي يقدمها للمواطنين وللاقتصاد الوطني على حد سواء، فإن هذا القطاع يجتاز حالياً مرحلة مخاض في منتهى الأهمية، تحظى باهتمام واسع لدى الرأي العام الوطني، وجماهير الشغيلة البحرية، نتيجة عدة إكراهات بنيوية وأزمات قائمة وعميقة لا يكمن ردها إلى أي عنصر من العناصر مهما كان حجمه.

الخلل إذن داخلي وهو مثلث الأبعاد والأسباب..! إنه ناتج في المقام الأول عن تخلي وزارة الصيد البحري عن هذا القطاع منذ سنة 1995، بالرغم من المساعدات التي تقدمها الدول الأجنبية، والأغلفة المالية المقتطعة من الاتفاقيات المبرمة مع كل من الاتحاد الأوربي واليابان وروسيا، والتي يسمح بموجبها، وضداً على إرادة رجال البحر المغاربة للأساطيل الأجنبية التي تشكل 90% من عدد الوحدات الأوربية العاملة بالمياه المغربية بنهب ثرواتها السمكية.

وناتج في المقام الثاني عن تذبذب أنشطة المديريات والمعاهد والمصالح التابعة للوزارة، والتي أسندت إليها مهام النهوض بالقطاع البحري الى المكانة اللائقة به، وناتج كذلك في المقام الثالث عن سوء التسيير والتدبير وعدم ترشيد النفقات. وهذه كلها عوامل أفرزت إفلاسات وتراجعات مست القطاع والعاملين فيه، مما يدل على أن شعارات الحكومة الحالية عن الحوار الاجتماعي لم تكن إلا خطاباً للاستهلاك ومادة لتلميع ديمقراطية يراد لها أن تكون ديمقراطية للواجهة.

وقد بدا ذلك جليا من خلال الصراع المرير الذي ظلت الشغيلة البحرية التي تم على عاتقها إرساء دعامات هذا المجال الاستراتيجي، تخوضه من أجل فتح حوار جاد ومسؤول مع ممثليها، دون أن تصل الى مبتغاها لغاية في نفس السيد وزير الصيد البحري، الذي حول مكتبه بوزارة الصيد البحري، والذي قل ما يتواجد به لكثرة انشغاله (الفلاحة، الصيد البحري، المشاريع الاستثمارية، اللهم لا حسد) حوله الى قلعة حصينة لا يسمح بولوج أبوابها الحديدية المحروسة من أعلى الأبراج، إلا لمن ارتضى له من «أصحاب العام زين» ممن يدورون في فلكه.

هنا يحق لنا أن نسأل السيد الوزير الذي كان عضواً نشيطاً في حركة لكل الديمقراطيين التي وضع أسسها عالي الهمة، هل الديمقراطية التي ترفعون شعارها، تستجوب فتح حوار مع كل الفعاليات البحرية المؤيدة والمعارضة لسياستكم؟ أم أن شعاركم مجرد زوبعة في فنجان؟! في وقت ظل من خلاله البحار المغربي يواجه أزماته المتتالية بين أحضان الأمواج العاتية والرياح القوية والقرارات الجائرة والزجرية..!

انتظر الجميع أن يتكلم السيد الوزير ويعطي المعطيات الحقيقية التي تجعل الجميع (بمن فيهم المهنيون والرأي العام الوطني) يخرج من التكهنات، ومن تأثير ما يروج هنا وهناك لامتلاك صورة واضحة عن الوضعية، كما هي في حقيقتها، ويخبر الجميع بما ستقوم به الوزارة وما تعتزم القيام به لمعالجة الوضعية في هذا القطاع..! غير أن معاليه يهرب لحد الآن الى الكلام عن الفلاحة وإمكانية تطوير مقاربة محاربة الفقر، وزيادة مدخول الفلاح عن طريق ضخ 15 مليار درهم سنوياً من أجل إحداث 900 مشروع لبلوغ ناتج داخلي إضافي يتراوح ما بين 70 و 100 مليار درهم..! مما يؤكد أن القطاع البحري لا يحظى باهتمام سيادته، ويؤكد كذلك بأن السياسة البحرية المنتهجة حاليا في إدارة القطاع، وكذا الأولويات المرسومة لها غير مندمجة بالمجتمع البحري وحاجيات رجاله، وأن القرارات الناشئة عنها غير ناشئة عن اختيار ذاتي! وغير مرتبطة بمتطلبات الاقتصاد الوطني..! لنجزم في نهاية المطاف أن هذا القطاع الحيوي لا يحظى في السياسة الاقتصادية لحكومة عبد الإله بنكيران بأهمية كبيرة تناسب الحاجيات الوطنية، بل هو في نظر المسؤولين لا يمثل شيئاً أمام ما يحظى به القطاع الفلاحي.

فإذا كان وزير الفلاحة والصيد البحري قد وضع خارطة طريق لتأهيل القطاع الفلاحي، ورفع شعار المغرب الأخضر، متناسيا بأن هناك مغربا أزرق، كانت ثغوره وخيراته مستهدفة منذ القدم..!فقد كان لازما عليه من باب الأولى والأحرى، الاهتمام بقطاع الصيد الساحلي الذي يوجد في مفترق الطرق، وذلك عن طريق إيجاد الحلول والبدائل للعديد من المشاكل التي يعاني منها رجاله، وقد كان لازما عليه أيضاً أن يفهم قبل جلوسه على كرسي تدبير الشأن العام بقطاع الصيد البحري، أنه أتى في ظروف غير عادية من الناحية الاقتصادية والاجتماعية، لا يمكن التعامل معها بسن سياسة التهميش أو بإسناد تحضير مخطط جديد للنهوض بالقطاع البحري الى مؤسسة أمريكية للأبحاث والدراسات، مؤسسة بعيدة كل البعد عن قضايانا المصيرية، وغير مرتبطة بواقع رجال البحر الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، مؤسسة همها الوحيد تحقيق ربح مادي وصل غلافه الى حوالي 150 مليون سنتيم،…! في وقت تتوفر من خلاله الوزارة الوصية على القطاع البحري على أطر وكفأة مشهود لها بالخبرة والجدية، أطر متمكنة من وضع استراتيجيات تمكن بلادنا من أن تصبح دولة بحرية قوية، أطر تتواجد في كل من المعهد الوطني للبحث في الصيد البحري (INRH) والمكتب الوطني للصيد البحري الذي حقق مؤخراً أكبر إنجاز يشكر عليه يتمثل في البورصة الوطنية للسمك، ومديرية الصيد البحري بالإضافة الى المهنيين الغيورين على القطاع، وبطبيعة، الحال كلا من هؤلاء المؤسسات تتوفر على أطر باستطاعتها إنجاز الدراسات اللازمة لوضع مخطط بحري بدل اللجوء إلى المكاتب والمؤسسات الأجنبية…!

فكلما طالت مرحلة التغاضي عن السلبيات والثغرات، وتجاهل الهفوات والتهرب من الواقع المعيش لرجال البحر، وصد الأبواب في وجوههم، كلما تزايدت المشاكل وتفاقمت الأمراض والعاهات، وصعب على السيد الوزير حلها.

صحيح أن كل القطاعات تعيش أزماتها، والأزمات عادة ما تنشأ من تعقد المشاكل وإهمالها، حتى تتطور لتهديد المجتمع..!ولذلك، فأهمية الوزير، أي وزير كان هي السعي الى حل المشاكل وتصفية الأزمات..! ولذلك يقيس العقلاء نجاح أي وزير أو فشله بمدى قدرته على حل الأزمات والقضاء على مسبباتها، ومن المؤسف أن جل الوزراء المتعاقبين على كرسي وزارة الصيد البحري، لم يكونوا قادرين على مواجهة هذه التحديات.

Jorgesys Html test Jorgesys Html test

أضف تعليقا

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا