بقلم عبد الخالق جيخ
في ظل تنامي ظاهرة سرقة مراكب وقوارب الصيد خلال السنوات الأخيرة، اختارت الإدارة المغربية أن تجعل من المقاربة الأمنية المدخل الرئيسي لمعالجة هذا الوضع، من خلال تشديد المراقبة داخل الفضاءات المينائية وتوسيع صلاحيات شرطة الموانئ. وضمن هذا السياق، بادرت كتابة الدولة المكلفة بالصيد البحري إلى طرح مشروع المرسوم التطبيقي للمادتين 12 و19 من القانون رقم 71.18 المتعلق بشرطة الموانئ، وهو المشروع المعروض حاليًا على غرف الصيد البحري لإبداء الرأي بشأنه، باعتباره نصًا تنظيميًا يهدف إلى ضبط شروط ولوج سفن وقوارب الصيد إلى الموانئ وتنظيم حركتها ورسـوّها وخروجها، مع إرساء آليات للمراقبة والامتثال.

إن طرح هذا المشروع للنقاش لا ينبغي أن يظل حبيس الدوائر الإدارية أو التمثيليات الرسمية، بل يكتسي أهمية خاصة بالنسبة لمهنيي القطاع، من بحارة ومجهزين وهيئات مهنية، لما قد يترتب عن تنزيله من آثار مباشرة على الممارسة اليومية داخل الموانئ. فإشراك الرأي العام المهني في مثل هذه النصوص التنظيمية يعد شرطا أساسيا لضمان قابلية التطبيق وتفادي إنتاج قواعد منفصلة عن الواقع. ومن هذا المنطلق، تبرز الحاجة إلى قراءة تحليلية هادئة تسعى إلى الإسهام في نقاش مسؤول، يوازن بين متطلبات الأمن المينائي، وحقوق ومصالح العاملين في قطاع الصيد البحري، خصوصًا في شقيه الساحلي والتقليدي.
ويندرج مشروع هذا المرسوم ضمن استكمال الإطار التنظيمي للقانون رقم 71.18، استنادًا إلى الظهير الشريف الصادر في 26 ماي 2021، وهو بذلك يشكل حلقة أساسية في بناء منظومة قانونية جديدة لشرطة الموانئ. غير أن القراءة العامة لمضامينه تكشف عن هيمنة واضحة لمنطق أمني–انضباطي، يجعل من النظام والسلامة الهدف المركزي للتنظيم، مقابل حضور باهت للأبعاد الإجتماعية والمهنية التي تميز قطاع الصيد البحري، خاصة ما يتعلق بخصوصيات الصيد التقليدي والهشاشة البنيوية التي تطبع جزءًا واسعًا من العاملين فيه. فاللغة المعتمدة تقوم أساسًا على مفاهيم الإذن والمنع والمراقبة والإمتثال، بما يعكس انتقالًا ملحوظًا من منطق التنظيم التشاركي إلى منطق الضبط الإداري الصارم.
ويظهر هذا التوجه بجلاء من خلال توسيع نطاق تطبيق المرسوم ليشمل جميع سفن الصيد، بما فيها القوارب والوحدات الصغيرة، دون أي تمييز بين مختلف أصناف الأسطول من حيث القدرات التقنية والتنظيمية. كما يفرض المشروع التزامات تقنية دقيقة، من قبيل الإشعار المسبق بالدخول والخروج والتواصل عبر وسائل اتصال تحددها السلطة المينائية، مع مراقبة قنوات الإتصال اللاسلكي، في غياب تام لأي مقتضيات مرافقة تهم تأهيل أو تجهيز قوارب الصيد التقليدي بهذه الوسائل. وهو ما يطرح إشكالية العدالة في التطبيق، ويجعل الإمتثال رهينًا بقدرات لا تتوفر عليها بالضرورة الفئات الأكثر هشاشة.
ويعزز المشروع من السلطة التقديرية للإدارة المينائية في تنظيم الحركة داخل الميناء، وفي تحديد أماكن الرسو وشروط السلامة، ومنع إدخال مواد توصف بالخطرة أو القابلة للإشتعال، دون تحديد دقيق لمعايير هذا التوصيف. كما يمنح رائد الميناء صلاحيات واسعة لإصدار أوامر تتعلق بالرسو والربط واستعمال تجهيزات الميناء، وهي صلاحيات قد تكون مبررة من زاوية السلامة، لكنها تظل مثار تساؤل حين لا تقترن بضمانات قانونية واضحة تحد من التفاوت في التطبيق أو من إمكانات التعسف.
ويزداد هذا الإشكال حدة عند إشتراط الحصول على ترخيص مسبق للرسو باليابسة، يخضع لموافقات متعددة من جهات إدارية وأمنية، في مسطرة معقدة لا تنسجم دائمًا مع طبيعة النشاط البحري، الذي تحكمه ظروف مناخية وطارئة لا تحتمل الإنتظار. كما أن القيود المفروضة على إستعمال المنحدرات أو الربط داخل الأحواض تؤثر بشكل مباشر على ممارسات يومية مستقرة داخل العديد من موانئ الصيد، خاصة الصغيرة منها، دون مراعاة الفوارق البنيوية والتجهيزية القائمة بينها.
الأكثر إثارة للإنتباه هو ما يغيب عن المشروع أكثر مما يحضر فيه. فلا أثر لمقتضيات تتعلق بإشراك المهنيين وهيئات تمثيل البحارة في تنزيل النص، ولا تنصيص على فترات انتقالية تتيح التكيف التدريجي مع الإلتزامات الجديدة، ولا إعتبار للهشاشة الإجتماعية التي تطبع الصيد التقليدي، ولا تصور لآليات المواكبة التقنية والمالية الضرورية لضمان الإمتثال. وهو ما يجعل المشروع أقرب إلى نص فوقي يركز على الضبط والزجر، بدل أن يكون أداة إصلاحية تعالج إختلالات القطاع من جذورها.
وتزداد أهمية هذا النقاش في ظل التحولات المؤسساتية المرتقبة، وعلى رأسها توجه الوكالة الوطنية للموانئ نحو التحول إلى شركة مساهمة بموجب القانون 34.25، في إطار رؤية تروم، حسب مقدميها، تحقيق حكامة أكثر مرونة، وجذب الإستثمار، وفصل مهام التنظيم عن التشغيل. غير أن هذا التحول، الذي ينقل تدبير الموانئ من منطق المنشأة العمومية إلى منطق الشركة ذات الطابع التجاري والهادف إلى الربح، يطرح بدوره أسئلة عميقة حول موقع البعد الإجتماعي، وحدود السلطة التنظيمية، وضمانات حماية الفاعلين الضعفاء داخل المنظومة المينائية.
وعليه، يمكن القول إن مشروع المرسوم، وإن كان يستجيب لحاجة حقيقية إلى تعزيز الأمن والسلامة داخل الموانئ، فإنه يظل قاصرًا عن تحقيق التوازن المطلوب بين مقتضيات النظام وواقع الممارسة المهنية. فنجاعته لن تتحقق إلا إذا أُدرج ضمن سياسة عمومية شمولية، تقوم على التدرج والمواكبة وإشراك الفاعلين المهنيين، وتستحضر خصوصيات أنماط الصيد المختلفة، بما يضمن أن يكون الأمن المينائي رافعة للتنمية والإستقرار، لا عبئًا إضافيًا على كاهل مهنيي الصيد البحري.
عبد الخالق جيخ : فاعل كنفدرالي سابق مدون مهتم بشون الصيد























