بقلم : عبد الخالق جيخ*
في خضم التفاعل الذي رافق مقالي الأخير حول القرار الوزاري القاضي بتوقيف تصدير السردين المجمّد إلى الخارج، وما استتبعه من مواقف أوروبية متحفظة، خاصة من الجانب الإسباني، بدا لي أن النقاش تجاوز طابعه الظرفي ليلامس أسئلة أعمق تتعلق بطبيعة اختياراتنا الإقتصادية وحدود سيادتنا على مواردنا البحرية.

فمقاربتي الأولى انطلقت من زاوية المصلحة العليا للبلاد، اعتمادًا على ما راكمته من تتبع للقطاع، غير أن النقاشات اللاحقة، سواء عبر المراسلات الخاصة أو اللقاءات المباشرة، كشفت عن تباين مشروع في زوايا النظر، يعكس تعقيد الموضوع وتشابك أبعاده. فيما ومن موقعي كمهتم، أحرص على تقاسم مختلف وجهات النظر، إيمانًا بأن الاختلاف الصحي هو مدخل النقاش العمومي الرصين، وأن الوصول إلى أفضل الخيارات يمر عبر الإصغاء المتبادل، بما يخدم في النهاية مصلحة البلاد والعباد.
فهناك من يرى في القرار خطوة سيادية جريئة تعيد ترتيب العلاقة مع الأسواق الخارجية، خصوصًا بعد اعتماد آلية البيع بالمزاد العلني التي ساهمت في تثمين المنتوج وفرض واقع جديد على الزبون الأجنبي، قوامه القبول بأسعار أكثر إنصافًا. غير أن هذا الرأي، رغم دعمه المبدئي للقرار، لا يخفي تخوفه من انعكاسات محتملة على توازنات القطاع، خاصة إذا ما أفرز توجيه كميات كبيرة نحو السوق دون قدرة حقيقية على الإستيعاب. فالمعطيات المتداولة تشير إلى أن الإحتجاجات الأوروبية تهم جزءًا محدودًا من الكميات المصدّرة مقارنة بالحجم الإجمالي للإنتاج، لكن الإشكال يكمن في احتمال تشكل فائض قد يضغط على الأسعار، ويحوّل مكسب التثمين إلى عبء اقتصادي يتحمله في النهاية المجهّز والبحّار.
في المقابل، يطرح رأي آخر مقاربة اجتماعية وسيادية صريحة، تعتبر أن السردين ليس مجرد سلعة خاضعة لمنطق العرض والطلب الدولي، بل مكوّن أساسي في الأمن الغذائي للأسر المغربية، خاصة ذات الدخل المحدود. من هذا المنظور، يُفهم القرار كآلية لضمان تموين السوق الوطنية ودعم الصناعات التحويلية المحلية بأسعار معقولة، مع تقليص الارتهان لتقلبات الأسواق الخارجية. هذا التوجه يرى في إعادة توجيه الإنتاج نحو الداخل تكريسًا لأولوية الحاجيات الوطنية، بدل الاستمرار في تصدير مادة خام تُراكم قيمتها المضافة خارج الحدود.
ويتعزز هذا الطرح بما يثيره فاعلون مهنيون من مسألة الهوية التجارية للمنتوج المغربي، حيث يجري في كثير من الأحيان استغلاله من قبل فاعلين أجانب يعيدون تعليبه وتسويقه بهوية غير هويته الأصلية، محققين أرباحًا مضاعفة دون أن ينعكس ذلك على بلد المنشأ. كما أن ممارسات مماثلة سُجلت في معارض دولية، حيث نُسبت منتجات مغربية إلى دول أخرى، في تجاهل تام لمصدرها الحقيقي.
من هذا المنطلق، يصعب اختزال القرار في بعده التجاري الظرفي، لأنه يندرج ضمن رؤية أوسع للسيادة الاقتصادية والغذائية، تقوم على حق الدول في تدبير مواردها الطبيعية بما يضمن الإستدامة ويحمي توازناتها الإجتماعية. فتقليص الضغط على المخزون السمكي، وتوجيه جزء أكبر من القيمة المضافة نحو الداخل، ينسجم مع منطق الاقتصاد البحري المسؤول الذي يربط بين حماية النظم البيئية وتحقيق التنمية.
أما ردود الفعل الأوروبية، فإنها تكشف مفارقة لافتة في خطاب الشراكة، حيث تُقدَّم مصالح صناعات الشمال كأولوية حتى عندما تتعارض مع اختيارات سيادية مشروعة لدول الجنوب. وفي هذا السياق، يبدو القرار المغربي تعبيرًا هادئًا لكنه حازم عن إرادة وطنية تسعى إلى صون مواردها وحماية نسيجها الاجتماعي، دون الانغلاق على النقاش أو تجاهل الهواجس المشروعة للفاعلين.
عبد الخالق جيخ : فاعل كنفدرالي سابق ، مدون مهتم بشؤون الصيد البحري

























