بقلم: عبد الخالق جيخ*
في خضمّ النقاش العمومي المتجدد حول إشكالية تموين السوق المحلية بسمك السردين، برزت فكرة استباقية طرحها أحد المتابعين، فتحت زاوية جديدة للتفكير في اختيارات التدبير العمومي خلال فترات الضغط المتزايد على المصايد، وما يرافقها من اختلالات في العرض والأسعار.

تقوم هذه الفكرة على تساؤل جوهري: إلى أي حدّ تملك الوزارة الوصية الجرأة والشجاعة لاتخاذ قرار استثنائي يتمثل في تقنين كميات السردين الموجّهة إلى التعليب، باعتباره خيارًا محتملاً لمعالجة الخصاص في تموين السوق الداخلية بالسردين الطري، وذلك في حال استمرار الوضعية الحرجة للمصايد – لا قدّر الله – مع الإقرار المسبق بما قد يترتب عن هذا القرار من آثار سلبية محتملة تمسّ بعض حلقات السلسلة الإنتاجية.
ويأتي هذا التساؤل في سياق خاص، يتّسم بتتابع قرارين تنظيميين بارزين يعكسان توجّهًا واضحًا نحو إعطاء الأولوية للسوق الداخلية، يبقى أولهما، منع تصدير السردين المجمّد،وثانيهما، منع توجيه السمك الطازج القابل للاستهلاك الآدمي إلى معامل دقيق وزيت السمك. إذ ووفق منطق المتابع، فإن تقنين السردين الموجّه للتعليب قد يشكّل حلقة ثالثة في هذا المسار التدخلي، هدفها تحصين تموين السوق المحلية، خاصة في ظل معطيات ظرفية دقيقة، أبرزها تزامن حلول شهر رمضان في ذروة فترات الشحّ البحري، وسوء الأحوال الجوية (le mauvais temps – الموفّيطا)، وهو ما يضاعف الضغط على العرض ويرفع منسوب التوتر الاجتماعي المرتبط بالأسعار.
من هذا المنطلق، يُنظر إلى قرار تقنين السردين الموجّه للتعليب باعتباره آخر أوراق الوزارة الوصية لحماية تدفّق هذه المادة الحيوية نحو المستهلك المحلي، والعمل على ضبط أسعارها في حدود لا تتجاوز خمسة وعشرين درهمًا للكيلوغرام، كحدّ أقصى يراعي القدرة الشرائية للفئات الهشّة. غير أن هذا الطرح يفتح، بالضرورة، قوسًا واسعًا من الأسئلة العملية، كيف سيتم هذا التقنين؟ وما هي آلياته القانونية والتنظيمية؟ وما الإمكانات العملاتية التي ستُسخَّر لضمان تنزيله العادل والفعّال؟
كما يطرح تساؤلًا أكثر حساسية حول مصير بعض وحدات التعليب التي تعتمد في تموينها على أسواق المكتب الوطني للصيد وتجار السمك:
وبالتالي هل نحن أمام سيناريو مشابه لما وقع سابقًا مع معامل دقيق السمك، التي جرى وضع حدّ لنشاطها لعدم توفّرها على سلسلة تموين ذاتية؟
إن هذه الطروحات، التي تقدّم بها أحد المتابعين الكرام دون تبنٍّ مباشر لموقفه، تُقدَّم هنا باعتبارها إثارة استباقية للنقاش، ومساهمة في إغنائه، بما يفتح المجال لتداول عمومي هادئ ومسؤول حول حدود التدخل العمومي، والتوازن الدقيق بين حماية السوق الداخلية، واستمرارية النشاط الصناعي، والحفاظ على التوازنات الإجتماعية والإقتصادية المرتبطة بقطاع حيوي يمسّ الأمن الغذائي للمواطنين بشكل مباشر.
*عبد الخالق جيخ فاعل كنفدرالي سابق مدون مهتم بشؤون الصيد

























