غادرت سنة 2025 دون أن تحمل معها الحسم المنتظر في تفعيل المديريات الجهوية لقطاع الصيد البحري، رغم أن هذه السنة كانت تُقدَّم على أنها محطة مفصلية لإخراج هذا الورش إلى حيز التنفيذ. وما يزيد من حدة الغموض هو ان خارطة الطريق 2025-2027 التي يتم عرضها أمام الفاعلين، لم تلمح لهذا الورش الإداري ، حيث يطرح فاعلون مهتمون بالقطاع تساؤلات متزايدة حول موعد الإفراج عن هذه المديريات، خاصة في سياق وطني يتسم بتسارع الجهود الرامية إلى ترسيخ التدبير الجهوي وتعزيز اللامركزية، حيث جرى إعداد ترسانة قانونية مهمة تضم مشاريع قوانين ومراسيم ودوريات، يرتقب عرضها على مساطر المصادقة خلال الأسابيع المقبلة، بهدف تحفيز البعد الجهوي استعدادا للاستحقاقات المرتبطة بالمرحلة الانتدابية القادمة.

وقد شهدت الساحة المهنية خلال السنوات الأخيرة نقاشا متناميا حول المديريات الجهوية، نقاش لم يبق حبيس التداول النظري، بل وجد له صدى داخل دواليب التشريع، إذ تم إعداد مشروع مرسوم خلال فترة الوزير السابق، وأحيل على الغرف المهنية للتشاور، غير أنه ظل معلقا ولم يستكمل مساره عبر باقي القنوات التشريعية، في وضع أثار الكثير من علامات الاستفهام وأجج حالة من القلق والترقب داخل أوساط المهنيين.
ويرى متتبعون أن الهزة القوية التي عرفها قطاع الصيد البحري عقب التعديل الحكومي، والذي أطاح بالوزير السابق محمد صديقي، وما رافقه من إحداث منصب كتابة الدولة، ثم التغييرات الواسعة التي طالت ركائز الإدارة القطاعية، كلها عوامل غيرت منطق الأولويات القطاعية، كما أسهمت بشكل مباشر في تأخير تفعيل الأجهزة الجهوية. فهذه الأخيرة تتطلب مجهودا كبيرا على مستوى التفعيل العملي، وتحتاج إلى موارد مالية وبشرية مؤهلة قادرة على مواكبة التحول المنشود. وفي هذا السياق، تتجه الأنظار إلى التوجهات الكبرى التي ستتحكم في مستقبل السياسة التدبيرية داخل موانئ استراتيجية تشكل القلب النابض للقطاع، في ظل رهانات الاستدامة والتنافسية.
ويؤكد الفاعلون أن زكية الدريوش، كاتبة الدولة المكلفة بالصيد البحري، بحكم تجربتها السابقة ككاتبة عامة للقطاع، تعد من أكثر المسؤولين إلماما بأهمية المديريات الجهوية في حسن تدبير الصيد البحري. فالتحديات الكبرى التي تواجه المصايد الوطنية اليوم، سواء على مستوى استدامة الموارد أو تنظيم النشاط أو تأهيل الفاعلين، تفرض انتقالا جوهريا في أساليب التدبير، يقوم على مخططات جهوية وسياسات مناطقية ومقاربات مرنة قادرة على استيعاب خصوصيات كل جهة ومواكبة متطلبات المرحلة.
ووفق مشروع مرسوم المديريات الجهوية لقطاع الصيد البحري الذي توصلت به الغرف المهنية سنة 2023، فإن هذه المديريات ستخضع مباشرة للسلطة الحكومية المكلفة بالصيد البحري، وسيتولى المديرون الجهويون تنفيذ المهام المسندة إليهم، مع الإشراف الإداري على مندوبي الصيد البحري ومديري مؤسسات التكوين البحري، وكذا على رؤساء المصالح اللاممركزة التابعة لهم، بحسب التقسيم الترابي المحدد. كما ستناط بهذه المديريات مهمة تمثيل السلطة الحكومية داخل مجال نفوذها الترابي، والإشراف على سير مندوبيات الصيد البحري، وتتبع وتدقيق عمل مؤسسات التكوين البحري على المستويين الإداري والمالي، إضافة إلى إعداد وبرمجة وتتبع وتنفيذ الميزانيات السنوية القطاعية وتقييمها، وقيادة المشاريع القطاعية الجهوية.
وسيعهد إلى المديريات الجهوية، انسجاما مع مضمون مشروع المرسوم، بالمساهمة في إعداد وتتبع وتنزيل مخططات تهيئة المصائد وضمان استدامة المخزون السمكي في إطار الاستراتيجية الحكومية لتنمية القطاع، فضلا عن إعداد وتتبع وتنزيل المخططات الجهوية لمراقبة أنشطة الصيد البحري. كما ستضطلع بدور محوري في تطوير وتأهيل المنظمات المهنية جهويا، وتجميع المعطيات والإحصائيات المتعلقة بالقطاع، وتعزيز التنسيق والتواصل مع السلطات العمومية وممثلي المهنيين، إلى جانب تنسيق عمل مختلف المصالح اللاممركزة.
وتتكون المديريات الجهوية للصيد البحري من مصالح تعنى بالدراسات والاتفاقيات وتتبع المشاريع، والموارد البشرية والشؤون العامة، والتنسيق والتتبع والاتصال والعلاقات العامة. أما من حيث التموقع الترابي، فيقترح مشروع المرسوم إحداث أربع مديريات جهوية توازي في انتشارها الجغرافي توزيع الغرف المهنية، حيث تتخذ المديرية المتوسطية مقرها بطنجة، والمديرية الأطلسية الشمالية بالدار البيضاء، فيما تحتضن أكادير مقر المديرية الأطلسية الوسطى، وتتمركز المديرية الأطلسية الجنوبية بمدينة الداخلة، مع تحديد مندوبيات الصيد البحري ومؤسسات التكوين التابعة لها وفق التقسيم المعتمد على مستوى الدوائر البحرية، في أفق إرساء حكامة جهوية أكثر نجاعة وقربا من الفاعلين الميدانيين.






























