هل تراجع كتابة الدولة قرار تقييد تصدير السردين المجمد ؟

0
Jorgesys Html test

تترقب الأوساط المهنية المرتبطة بصناعة وتصدير السردين المجمد بالأقاليم الجنوبية ما ستحمله الأيام القادمة بشأن إمكانية مراجعة قرار تقييد تصدير السردين، وسط مؤشرات ميدانية تعزز الآمال بقرب حدوث انفراج يخفف الضغوط المتزايدة على وحدات التجميد ، ويعيد الحيوية إلى واحدة من حلقات سلسلة تثمين الأسماك السطحية الصغيرة.

ويستند هذا التفاؤل إلى التحركات الأخيرة التي باشرتها لجان مركزية أوفدتها الإدارة الوصية إلى عدد من وحدات التجميد بالأقاليم الجنوبية وفق ما أوردته تقارير متطابقة ،  من أجل جرد وإحصاء الكميات المخزنة من الأسماك السطحية المجمدة، في خطوة يعتبرها المهنيون تمهيدًا لاتخاذ قرارات جديدة تتلاءم مع التطورات التي تعرفها المصايد المحلية، والتي بدأت تبعث بإشارات إيجابية على مستوى وفرة المصطادات وتحسن العرض.

وتتزايد الأصوات المهنية المطالبة بمراجعة قرار تقييد التصدير، معتبرة أن استمرار منع تصريف مخزون السردين نحو الأسواق الخارجية يهدد بتفاقم الضغوط الإقتصادية على الوحدات الصناعية، خاصة في ظل احتمال تراجع الأسعار نتيجة الوفرة المسجلة خلال فترات الذروة، مقابل محدودية القنوات التسويقية المتاحة. ويرى الفاعلون أن السماح بتصدير الكميات المخزنة من شأنه توسيع دائرة المنافسة وتنويع الوجهات التجارية وتعزيز قدرة المقاولات الوطنية على التكيف مع متغيرات السوق.

وفي هذا السياق، رفعت مجموعة من أرباب وحدات التجميد تظلمات إلى كتابة الدولة، عبروا فيها عن حجم الأعباء التي يتحملونها بسبب الاحتفاظ بالمخزون لفترات طويلة داخل غرف التبريد، مؤكدين أن استمرار الوضع الحالي يرفع تكاليف الإنتاج والتسيير، خصوصًا مع الارتفاع المتواصل في أسعار الطاقة والمحروقات وما يرافقه من زيادة في مصاريف الحفظ والتبريد والصيانة.

وكان قرار تقييد تصدير السردين قد دخل حيز التنفيذ ابتداء من فاتح فبراير الماضي لمدة سنة كاملة، وشمل السردين الطازج والمبرد والمجمد، وذلك في إطار توجه حكومي يروم إعطاء الأولوية للسوق الوطنية وتعزيز تموينها وضمان استدامة سلسلة الأسماك السطحية الصغيرة،  بالنظر إلى دورها الحيوي في تحقيق الأمن الغذائي. وأكدت كتابة الدولة حينها أن القرار يندرج ضمن مقاربة متوازنة تستهدف التوفيق بين متطلبات السوق الداخلية والحفاظ على الموارد البحرية وتثمينها.

غير أن المعطيات الإقتصادية المتوفرة تكشف أن صناعة تجميد الأسماك السطحية الصغيرة، شهدت خلال السنوات الأخيرة تحولات هيكلية عميقة قلصت من الوزن النسبي للسردين داخل الصادرات الوطنية. فبحسب المؤشرات القطاعية، تراجع نصيب السردين من إجمالي قيمة صادرات الأسماك السطحية الصغيرة المجمدة من 70 في المائة سنة 2020 إلى 23 في المائة فقط سنة 2025، كما انخفضت حصته من حيث الحجم من 72 في المائة إلى 24 في المائة خلال الفترة نفسها. وفي المقابل، ارتفعت مساهمة باقي الأنواع من 30 في المائة إلى 77 في المائة من رقم المعاملات التصديري، ما يعكس نجاح النسيج الصناعي الوطني في تنويع منتجاته والتكيف مع تحولات الأسواق الدولية.

وخلال سنة 2025 توزعت قيمة صادرات الأسماك السطحية الصغيرة المجمدة بين الإسقمري بنسبة 46 في المائة، والشنشار بنسبة 23 في المائة، والسردين بنسبة 23 في المائة، فيما تقاسمت الأنشوفة والسردينيلا نسبة 8 في المائة، وهو ما يؤكد أن السردين لم يعد المكون الوحيد الذي ترتكز عليه الصناعة التصديرية، بل أصبح جزءًا من منظومة إنتاجية أكثر تنوعًا وقدرة على خلق القيمة المضافة.

وتكتسي هذه الصناعة أهمية اقتصادية واجتماعية بالغة، إذ يناهز عدد وحدات تجميد الأسماك السطحية الصغيرة بالمملكة مائة وحدة صناعية، من بينها 23 وحدة بمدينة العيون، فيما توفر أنشطة التجميد وحدها حوالي 13 ألفا و200 منصب شغل مباشر. كما بلغت قيمة صادرات الأسماك السطحية الصغيرة المجمدة خلال سنة 2025 نحو 3,12 مليار درهم، لم تتجاوز مساهمة السردين فيها 23 في المائة. ناهلاسيما في ظل  التحديات الكبيرة التي لازمت مصيدة السردين في السنوات الآخيرة .

وفي سياق متصل، سبق لمندوب الصيد البحري بأكادير أن حذر، خلال أشغال إحدى الدورات العادية لغرفة الصيد البحري الأطلسية الوسطى، من تنامي ظاهرة نقل بعض المستثمرين لأنشطتهم الصناعية إلى الخارج، مشيرًا إلى أن وحدات إنتاجية غادرت المغرب نحو دول أخرى من بينها البرازيل، حيث يتم استيراد السردين المغربي المجمد وإعادة تصنيعه هناك، وهو ما ينعكس سلبًا على تنافسية الوحدات الوطنية ويؤدي إلى فقدان جزء من القيمة المضافة التي كان يمكن أن تستفيد منها الصناعة المحلية.

وتعزز هذه المخاوف معطيات اقتصادية حديثة صادر في تقارير برازيلية ، تؤكد المكانة الريادية للمغرب في قطاع السردين عالميًا، بفضل منظومة متكاملة تجمع بين وفرة الموارد البحرية والبنيات الصناعية المتطورة والخبرة المتراكمة في مجال التحويل والتصبير. ويستفيد المغرب من موقع أطلسي غني بالتيارات البحرية الصاعدة التي توفر ظروفًا مثالية لتكاثر السردين، إلى جانب اعتماد سياسات تدبير مستدامة ترتكز على البحث العلمي وتنظيم فترات الراحة البيولوجية وتحديث الأساطيل. كما يساهم القرب الجغرافي بين مناطق الصيد ووحدات المعالجة الصناعية في الحفاظ على جودة المنتوج وتعزيز تنافسيته في الأسواق الدولية، فيما مكنت الاستثمارات المتواصلة في التتبع والجودة واللوجستيك من ترسيخ مكانة المغرب كفاعل مؤثر في تجارة السردين العالمية.

وفي ظل هذه المعطيات، يظل ملف تصدير السردين المجمد مطروحًا عند تقاطع اعتبارات متعددة تجمع بين متطلبات الأمن الغذائي الوطني والحفاظ على استقرار الأسعار من جهة، وضمان تنافسية الوحدات الصناعية وصون مناصب الشغل وتعزيز القيمة المضافة الوطنية من جهة أخرى، وهو ما يجعل أي قرار مرتقب بشأن مراجعة التقييد محط متابعة دقيقة من قبل مختلف مكونات القطاع.

Jorgesys Html test

أضف تعليقا

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا