في الوقت الذي تتجه فيه الدولة إلى تصحيح أوضاع فئات مهنية ظلت لسنوات طويلة تعاني من الهشاشة وغياب الإنصاف، من خلال مبادرات تشريعية واجتماعية متقدمة، يبرز ملف حراس مراكب الصيد البحري كأحد الملفات المستعجلة التي تستدعي بدورها مقاربة مماثلة، تضع حداً لحالة الفراغ القانوني والإجتماعي التي يعيشها الآلاف من العاملين في هذا المجال.

فقد صادق مجلس المستشارين بالإجماع على مشروع القانون رقم 032.25 القاضي بتتميم المادة 193 من مدونة الشغل، بما يضمن إخضاع حراس الأمن الخاص لمدة الشغل العادية المقررة لباقي الأجراء. ويأتي هذا المستجد في سياق تنزيل مخرجات الحوار الاجتماعي المركزي، الذي جعل من إنصاف هذه الفئة أولوية، بالنظر إلى طبيعة المهام التي تضطلع بها وساعات العمل الطويلة التي تتحملها يومياً.
غير أن هذا التوجه الإصلاحي يفتح في المقابل باب التساؤل ، حول مصير فئات أخرى تؤدي أدواراً لا تقل أهمية وحساسية، وفي مقدمتها حراس مراكب الصيد البحري، الذين يشكلون خط الدفاع الأول عن ممتلكات وتجهيزات تمثل مصدر عيش لآلاف الأسر، دون أن يحظوا بالاعتراف القانوني والمهني الذي يتناسب مع حجم المسؤوليات الملقاة على عاتقهم.
وقد عاد هذا الملف إلى واجهة النقاش خلال لقاءات مهنية ونقابية، ، حيث يعبر المتدخلون عن قلقهم من استمرار أوضاع تتسم بالهشاشة وغياب التأطير القانوني. وأجمع المشاركون على أن الحراس يشتغلون في ظروف تفتقر في كثير من الأحيان إلى أبسط مقومات الاستقرار المهني، سواء من حيث التغطية الاجتماعية والتأمين أو من حيث وضوح العلاقة التعاقدية التي تربطهم بملاك المراكب، فضلاً عن محدودية فرص التكوين والتأهيل.
وتزداد أهمية هذا النقاش بالنظر إلى المعطيات التي قدمتها مديرية التكوين البحري ورجال البحر والإنقاذ ضمن اجتماع احتضنته غرفة الصيد البحري الأطلسية الوسطى مؤخرا حول ذات الموضوع ، والتي تشير إلى وجود ما بين 3600 و7200 حارس مراكب على الصعيد الوطني، وهو رقم يعكس اتساع هذه الفئة المهنية وحجم التحديات المرتبطة بتنظيمها. كما تكشف هذه الأرقام عن واقع تتداخل فيه الإشكالات القانونية والإجتماعية والإقتصادية، في ظل غياب توصيف مهني واضح للمهنة، وضعف الحماية القانونية، واستمرار أنماط تشغيل غير مهيكلة تجعل الحارس عرضة للتقلبات الموسمية ولانعدام الاستقرار المالي.
ولا يقتصر أثر هذا الوضع على الجانب الاجتماعي فقط، بل يمتد إلى الجوانب الأمنية والتنظيمية داخل الموانئ. فعدد من المهنيين يعتبرون أن تنامي بعض الظواهر السلبية، من قبيل سرقة المراكب أو محاولات استغلالها في أنشطة غير قانونية، يرتبط بشكل مباشر بغياب إطار واضح ينظم مهنة الحراسة البحرية ويحدد المسؤوليات والإلتزامات. ومن هذا المنطلق، يرى الفاعلون أن تعزيز الأمن داخل الفضاءات المينائية يمر حتماً عبر الاعتراف الرسمي بدور الحارس، باعتباره مكوناً أساسياً ضمن منظومة الصيد الساحلي.
وفي هذا السياق، تتزايد المطالب بتسريع إدماج حراس المراكب ضمن برامج التكوين البحري الأساسية، بما يمكنهم من اكتساب المهارات المرتبطة بالسلامة البحرية ، والتدبير المهني لمهام الحراسة. كما يتمسك الحراس بضرورة تدبير نشاطهم المهني وضبط جدولته الأجرية والزمنية ، فيما يتمسك الحراس بضرورة الحفاظ على مدة الاشتغال على متن المراكب في حدود اثني عشر شهراً، معبرين عن رفضهم لأي توجه يرمي إلى تمديد هذه الفترة إلى أكثر من عامين، لما قد يحمله ذلك من انعكاسات على فرص الولوج والتجديد داخل المهنة.
وتطرح مديرية التكوين البحري ورجال البحر والإنقاذ رؤية إصلاحية متدرجة تنطلق من بناء قاعدة بيانات دقيقة وشاملة لهذه الفئة، باعتبارها المدخل الأساسي لأي عملية تقنين ناجحة. كما تدعو إلى تنظيم عملية التسجيل المهني وإيجاد الصيغ الملائمة لإدماج الحراس في منظومة الحماية الاجتماعية، سواء عبر الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، أو من خلال آليات قانونية أخرى تضمن لهم الاستفادة من التغطية الصحية والتقاعد.
وتشدد هذه المقاربة كذلك على ضرورة إرساء إطار قانوني واضح يحدد شروط ممارسة المهنة وينظم العلاقة بين الحارس ومالك المركب، مع اعتماد آليات فعالة للمراقبة والتتبع، إلى جانب تطوير برامج تكوينية متخصصة تجمع بين الجوانب التقنية ومهارات التواصل والتنظيم، بما يرفع من كفاءة الحراس ويعزز جودة الخدمات المقدمة داخل الموانئ.
فإذا كانت التجربة التشريعية الأخيرة قد أنصفت حراس الأمن الخاص، فإن الرهان اليوم يتمثل في توسيع دائرة هذا الإنصاف لتشمل حراس مراكب الصيد البحري، بما يضمن الاعتراف بدورهم الحيوي ويضع حداً لسنوات طويلة من التهميش والانتظار. خصوصا وأن النقاش الدائر اليوم حول وضعية حراس مراكب الصيد لم يعد مجرد مطلب فئوي ضيق، بل أصبح جزءاً من ورش أوسع يهم تحديث قطاع الصيد البحري وتعزيز حكامته.
ويرى عددمن الفاعلين والمهتمين في تصريحات متطابقة للبحرنيوز، أن إدماج هذه الفئة في منظومة الحقوق والواجبات، لا يمثل استجابة لمطالب اجتماعية مشروعة فقط، وإنما يشكل أيضاً استثماراً في الأمن المهني والبحري، ويساهم في بناء قطاع أكثر تنظيماً واستقراراً، وقدرة على مواجهة التحديات المستقبلية.




























