بقليم : عبد الخالق جيخ *
بينما ينشغل العالم بالحديث عن الإرتفاع المتواصل لدرجات الحرارة وتداعيات الاحتباس الحراري، تتشكل في شمال المحيط الأطلسي ظاهرة مناخية تبدو للوهلة الأولى وكأنها تسير في الاتجاه المعاكس. فجنوب جزيرة غرينلاند تتسع منذ سنوات منطقة بحرية ذات حرارة منخفضة بشكل استثنائي، باتت تعرف في الأوساط العلمية بـ”البقعة الباردة”. ورغم بعدها الجغرافي عن المغرب، فإن آثارها المحتملة لم تعد مجرد فرضيات نظرية، بل مؤشرات تستحق المتابعة واليقظة، خاصة بالنسبة لبلد يرتبط اقتصاده البحري وأمنه الغذائي ارتباطاً وثيقاً بصحة المحيط الأطلسي.

لا يتعلق الأمر بتقلب موسمي ، بل بتحولات عميقة تمس دينامية المحيط نفسه. فالعلماء يربطون هذه الظاهرة بتباطؤ أحد أهم الأنظمة البحرية المنظمة لمناخ الأرض، وهو التيار الأطلسي الناقل للحرارة. ومع تزايد ذوبان الجليد في المناطق القطبية وتدفق كميات كبيرة من المياه العذبة نحو شمال الأطلسي، بدأت التوازنات الحرارية التي حكمت حركة المحيطات لقرون طويلة تعرف اضطرابات متزايدة. وعندما يختل إيقاع المحيط في الشمال، فإن ارتداداته لا تتوقف عند حدوده الجغرافية، بل تمتد عبر آلاف الكيلومترات لتطال مناطق أخرى من الواجهة الأطلسية، وفي مقدمتها السواحل المغربية.
تكمن أهمية هذه التحولات بالنسبة للمغرب في كون ثروته السمكية تعتمد بشكل كبير على ظاهرة طبيعية فريدة، تتمثل في صعود المياه العميقة الباردة والغنية بالمغذيات نحو السطح. هذه العملية هي التي تمنح السواحل المغربية إحدى أعلى درجات الإنتاجية البحرية في العالم، وتوفر البيئة المثالية لتكاثر وتغذية أنواع أساسية مثل السردين والأنشوبة وغيرها من الأسماك السطحية الصغيرة.
غير أن أي اضطراب في التوازن الحراري للمحيط أو في حركة التيارات الكبرى، قد يؤثر بشكل مباشر في فعالية هذه الظاهرة الطبيعية. وعندما تتراجع كمية المغذيات أو تتغير أماكن تركّزها، تضطر الأسماك إلى تعديل مساراتها والهجرة نحو مناطق أبعد أو أعماق أكبر بحثاً عن ظروف أكثر ملاءمة. عندها لا يقتصر الأمر على تراجع المردودية البيولوجية، بل يتحول إلى معضلة اقتصادية حقيقية تواجه مهنيي الصيد، الذين يجدون أنفسهم مجبرين على قطع مسافات أطول، واستهلاك كميات أكبر من الوقود للوصول إلى المصايد المعتادة.

والأخطر من ذلك أن بعض المؤشرات البيئية التي بدأت تُسجل على فترات متقطعة بالشواطئ المغربية، تطرح تساؤلات مقلقة حول حجم الضغوط التي تتعرض لها النظم البحرية. فقد شهدت بعض المناطق الساحلية حالات جنوح جماعي لأسراب من الأسماك نحو اليابسة، وهي ظواهر غالباً ما ترتبط بتداخل عوامل متعددة، من بينها مطاردة المفترسات البحرية الكبرى، أو التغيرات المفاجئة في خصائص المياه من حيث الحرارة ونسبة الأكسجين. ومهما اختلفت الأسباب المباشرة، فإن تكرار هذه المشاهد يسلط الضوء على هشاشة التوازنات البيئية البحرية أمام تسارع التحولات المناخية.
أمام هذه التحديات، تبدو الإجراءات التنظيمية التي اعتمدتها السلطات الوصية على قطاع الصيد البحري، خطوة ضرورية للحفاظ على المخزون السمكي والحد من الضغوط البشرية المتزايدة. فتمديد فترات الراحة البيولوجية، وإعادة تنظيم مناطق الصيد، وتشديد المراقبة على الإستغلال المفرط للموارد، كلها أدوات مهمة لتدبير الثروة السمكية بعقلانية أكبر. غير أن هذه التدابير، مهما بلغت نجاعتها، تظل جزءاً من الحل وليست الحل الكامل.
ذلك أن التشريعات قادرة على تنظيم سلوك الإنسان، لكنها لا تستطيع إعادة رسم خرائط التيارات البحرية، أو استعادة التوازنات المناخية التي اختلت بفعل عقود من الضغوط البيئية. ويمكن للقوانين أن تحد من الصيد الجائر، لكنها لا تستطيع إجبار الأسماك على البقاء في مواطنها الأصلية إذا تغيرت شروط بقائها الطبيعية. كما يمكن للمخططات الإدارية أن تؤجل بعض الخسائر، لكنها لا تستطيع منع تأثيرات التحولات المناخية الكبرى عندما تصبح جزءاً من الواقع اليومي للمحيطات.
من هنا تبرز الحاجة إلى الإنتقال من منطق التدبير الظرفي إلى منطق التكيف الإستراتيجي. فالمغرب مطالب اليوم أكثر من أي وقت مضى بتعزيز البحث العلمي البحري، وتطوير أنظمة الرصد المبكر للتغيرات البيئية، وربط القرار العمومي بالمعطيات العلمية الدقيقة، بدل الاكتفاء بردود الأفعال المتأخرة. كما أن مستقبل القطاع لن يتحدد فقط بحجم الأساطيل أو بعدد التراخيص، بل بمدى القدرة على فهم التحولات الجارية في المحيط والتأقلم معها بمرونة وواقعية.
إن الخطر الحقيقي لا يكمن في البقعة الباردة نفسها، بل في التعامل مع إشاراتها وكأنها حدث بعيد لا يعني السواحل المغربية. فالمحيط الأطلسي منظومة مترابطة، وما يحدث في أقصى شماله قد يجد صداه بعد سنوات في جنوبه. وبينما تستمر الطبيعة في إرسال رسائلها المتتالية، يبقى الرهان الأكبر هو القدرة على قراءتها في الوقت المناسب، قبل أن تتحول التحذيرات الصامتة إلى واقع اقتصادي وبيئي يصعب تداركه.
*عبد الخالق جيخ : فاعل كنفدرالي سابق مدون مهتم بشؤون البحر والصيد

























