طنجة : محمد العطلاتي*
يعتبر نشاط جرف الرمال من البحر أو الشواطئ، أو ما يُعرف بـعمليات شفط الرمال، بحرية كانت أو ساحلية، نشاطا ذا آثار سلبية على الحياة البحرية وله تأثيرات مدمرة للبيئة، وبسبب هذه التأثيرات، وبسبب اعتراض عدد من هيئات المجتمع المدني العاملة في حماية البيئة، و انتصاب عدد من الجمعيات المهنية المنتمية لقطاع الصيد البحري، فإن الدولة المغربية، سعت لتنظيم هذا النشاط، بعدما ظل فترة طويلة دون تدخل تشريعي. وهكذا أصدرت على التوالي، القانون رقم 27-13 المتعلق بالمقالع 09 يونيو 2015 ثم القانون رقم 81-12 المتعلق بالساحل في 16 يوليوز 2015. فما هي المؤثرات الخطرة التي يحدثها جرف الرمال على الحياة البيئة بالبحر؟ وما حجم خطورته على مصادر عيش العاملين في مجال الصيد البحري، على امتداد السواحل البحرية المغربية؟

لاشك أن نتائج عمليات جرف الرمال تتمثل بشكل مباشر في إحداث تغيير حقيقي لطبيعة الشواطئ، إذ تصبح مجردة من أي حماية ومعرضة، مع مرور الوقت، لعوامل التعرية الناتجة عن قوة الأمواج. فالرمال التي تشكلت على امتداد فترات زمنية طويلة، تعتبر درعا طبيعيا يقوم بدور حمائي للمجال البري المحاذي للساحل، كما تعتبر هذه الرمال، في المقام الأول، حاضنا طبيعيا لتوالد لأسماك وبيئة مثالية لنموها، كما هو الحال بالنسبة لأنواع الرخويات، وبهذه الصورة فإن جرف الرمال يكون سببا مباشرا في إبادة المنشأ الطبيعي لهذه الكائنات، مع ما ينتج عن ذلك من خلل واضطراب جسيم في السلسلة الغذائية البحرية.
فضلا عن ذلك، تشير التقارير العلمية لمعاهد متخصصة في الحياة البحرية، إلى أن عمليات جرف الرمال البحرية، تتسبب في اختلاط جزيئات الطين والرمل على مستوى المناطق، التي تشفط منها الرمال، ما يصنع حاجبا لأشعة الشمس يؤثر بشكل كبير على قدرة النباتات والطحالب على التمثيل الضوئي، كما يقلل من نسبة إنتاج الأوكسجين الضروري لحياة الكائنات البحرية بشكل كبير. وهو ما أكده الناشط البيئي ورئيس جمعية أزير لحماية البيئة الأستاذ محمد الأندلسي، مضيفا أن عمليات شفط الرمال التي تتم في المياه الساحلية، تحدث فجوات عميقة على مستوى قاع البحر، ما يحدث فراغا بهذه المناطق ينتج عنه قيام البحر، من خلال عمليات المد والجزر المنتظمة، بملأ هذه الفراغات، عن طريق سحب الرمال من مستوى الشاطئ، إن كانت موجودة هناك. وهو ما يعيد بناء المشكلة من جديد، أي تعرية الشواطئ وتغيير معالمها بصورة تكون سببا في ارتفاع مستوى البحر وزيادة مخاطر المد البحري على التجمعات السكنية، بالقرى و المدن الساحلية.
ومن التأثيرات الخطيرة لعمليات جرف الرمال على الإقتصاد المحلي، تدهور حالة الشواطئ مما يكون سببا مؤثرا على مردودية الصيد الساحلي، فضلا عن تأثيره السلبي على أنشطة السياحة بهذه المناطق، وهو ما ينتج واقعا يستحيل تجاوزه، لكون إعادة بناء الشواطئ وحماية الساحل يعتبر مكلفا للغاية، فجرف الرمال يعتبر تغييرا كبيرا في البيئة الساحلية والبحرية ، وله تأثير متسلسل على جميع الكائنات البحرية وعلى العاملين في أنشطة الصيد.
أمام هذا الوضع، قامت الدولة في 09 يونيو 2015 بإصدار القانون رقم 27-13 المتعلق بالمقالع، بحيث حاول هذا التشريع تنظيم استغلال المقالع والمواد المستخرجة منها، بما في ذلك الرمال، وقام بوضع شروط تتعلق بالتصريح والترخيص، كما جاء القانون بتحديد الكميات المستخرجة، والإجراءات الخاصة بالتشغيل، فضلا عن مراقبة الاستغلال، وإيجاد حزمة عقوبات لمواجهة أي مخالفة.

وفي نفس السياق، عملت الدولة بتاريخ 16 يوليوز 2015 على إصدار التشريع رقم 81-12 المعروف بقانون الساحل، بحيث أكد هذا القانون أن هدفه هو حماية الشواطئ من التعرية، إذ قام بحظر استغلال الرمال من المناطق الساحلية دون ترخيص مناسب، كما أوجد عقوبات مالية ضخمة، وقد تصبح جنائية في حالات معينة، لمخالفات محددة .
لكن رغم وجود النصوص والمراجع القانونية المذكورة، إلا أنها لا تعرف طريقها نحو التنفيذ ،ويعود ذلك، بشكل أساسي، إلى وجود ضعف في الرقابة، إذ تعرف عديد المناطق استخراج الرمال بشكل غير قانوني، كما لا تعرف تطبيقا للعقوبات بصورة فعالة ورادعة، إذ تشير عدد من التقارير إلى أن نصف كمية الرمال المستعملة في البناءات، يتم الحصول عليها عن طريق الإستغلال غير القانوني للسواحل. كما يعتقد الكثير أن ارتفاع أنشطة ما يعرف بـ”مافيا الرمال” المتمثلة في سرقة الرمال من الشواطئ عبر شبكات غير قانونية، يتم أحيانا بسبب ضعف الرقابة و تواطؤ بعض الفاسدين. ذلك لأن القانون فرض شرط الحصول على ترخيص رسمي مسبق بجرف الرمال، أو اعتباره جزءا من عمليات صيانة المنشآت المينائية. وإضافة لشرط الترخيص، يجب على طالبه إثبات عدم الإضرار بالبيئة الساحلية، بحيث إن كل مشروع يثبت أنه يسبب تهديدا للشاطئ أو تهديدا للكثبان الرملية، يكون مصيره الرفض. وهو ما يؤكد أن قاعدة المنع هي الأصل وأن الإستثناء لا يحصل إلا بترخيص إداري خاص.
وتجاوبا مع المطالب الملحة للجمعيات البيئية وكذا جمعيات البحارة الصيادين وتمثيلياتهم المهنية، فقد سعت الدولة، عبر آلية التشريع، لتعديل مقتضيات القانون الجنائي المغربي لاسيما الفصل 517 منه، وتوسيعه ليشمل الأفعال المضرة بالموارد الطبيعية واعتبارها “جنحة بيئية” تتعلق بسرقة أو استنزاف المواد الطبيعية مثل الرمال، استنادا لكون هذه الأفعال تستحق عقوبات جنائية، ضمن إطار الجرائم المتعلقة بالأموال. فهل يتحقق هدف حماية البيئة البحرية بتوظيف القانون الجنائي بدل القانون المدني؟ هذا هو السؤال.
*محمد العطلاتي باحث في الشأن المحلي طنجة



























