بين إستدامة المصيدة وهشاشة البحار .. أي مواكبة إجتماعية للراحة البيولوجية؟

0
Jorgesys Html test

مع دخول مصيدة الأسماك السطحية الصغيرة مرحلة الراحة البيولوجية  منذ يوم أمس الخميس فاتح يناير 2026، التي تمتد ما بين شهر ونصف وشهرين على مستوى المصيدتين الوسطى والجنوبية، يعود النقاش من جديد حول الكلفة الاجتماعية لهذا القرار البيئي الضروري، وحول موقع العنصر البشري داخل معادلة حماية الثروة السمكية. فالراحة البيولوجية، وإن كانت إجراءً علميًا ووقائيًا لا غنى عنه لضمان استدامة المخزون، إلا أنها في المقابل توقف عجلة النشاط بالنسبة لآلاف البحارة، وتضعهم بشكل مباشر أمام فراغ مهني واجتماعي مؤقت، قد تتحول آثاره إلى عبء ثقيل في غياب مواكبة اجتماعية حقيقية.

في هذا السياق، تتجدد الدعوات الموجهة إلى الجهاز الوصي على قطاع الصيد البحري من أجل استحضار البعد الاجتماعي بنفس القوة التي يُستحضر بها البعد البيئي. فالبحار، كما هو معلوم، ليس مجرد عنصر تقني داخل منظومة الإنتاج، بل هو فاعل اجتماعي يعتمد في معيشه اليومي على مردودية نشاط موسمي، تحكمه تقلبات البحر والقرارات التنظيمية على حد سواء. ومن هنا يطرح المهنيون والنقابيون سؤالاً جوهريًا: كيف يمكن حماية البحارة والربابنة من الانعكاسات الجانبية لتدابير الحماية، دون المساس بجوهرها، مع صيانة حقوقهم التعاقدية والإجتماعية، خاصة في علاقتهم بمنظومة الضمان الاجتماعي؟

ويرى فاعلون مهنيون أن التحولات التي يعرفها القطاع في ظل الاستراتيجية الجديدة الرامية إلى حماية الثروة السمكية، عبر تقليص مجهود الصيد وإقرار فترات راحة بيولوجية قارة، تفرض إعادة التفكير في الأدوار المنوطة بمختلف المتدخلين، وفي مقدمتهم البحارة. فهؤلاء يجدون أنفسهم اليوم أمام واقع جديد، يتسم بتراجع الكتلة الحية، وهو ما تؤكده الأرقام الصادرة عن المكتب الوطني للصيد، التي سجلت انخفاضًا ملحوظًا في مفرغات الأسماك السطحية الصغيرة خلال الموسم الجاري. هذا المعطى، الذي يرقى إلى مستوى القوة القاهرة، لا يمكن التعاطي معه فقط من زاوية التدبير التقني، بل يستوجب قرارات اجتماعية موازية، تستحضر هشاشة أوضاع البحارة وارتفاع تكاليف المعيشة.

ومع كل إعلان عن راحة بيولوجية أو إغلاق مؤقت لبعض مناطق الصيد، يتصاعد النقاش داخل الأوساط النقابية حول التعويض عن التوقف الاضطراري، باعتبار أن توقيف النشاط يتم بقرار إداري يهدف إلى حماية المصيدة، وليس نتيجة اختيار مهني. وهو ما يعزز المطالب الداعية إلى إقرار تعويضات ترافق التوقفات الرسمية المتعاقبة، بما يضمن حدًا أدنى من الاستقرار الاجتماعي لهذه الفئة، ويجنبها السقوط في الهشاشة خلال فترات التوقف.

في هذا الإطار، سبق لعدة لقاءات نظمت حول التغطية الاجتماعية لرجال البحر أن خلصت إلى ضرورة الخروج من منطق الموسمية الصرفة، الذي يطبع علاقات الشغل في قطاع الصيد الساحلي والتقليدي، ويجعل البحار مطالبًا بتكثيف الاشتغال خلال فترات الذروة لتعويض أشهر التوقف. هذا الواقع اعتُبر واحدًا من أكبر التحديات التي تواجه المنظومة المهنية، ودفع إلى البحث عن صيغ قانونية وتنظيمية تسمح بتمديد الحماية الاجتماعية على مدار السنة.

وقد تفاعل المشرّع مع جزء من هذه الانتظارات عبر صدور القرار التنظيمي رقم 1315.25 لوزيرة الاقتصاد والمالية، المنشور بالجريدة الرسمية عدد 7443، والذي يهدف إلى تأطير الكيفيات العملية لاحتساب أيام الاشتراك في نظام الضمان الاجتماعي، وإعادة توزيع المداخيل الخاصة ببحارة الصيد الساحلي والتقليدي، في إطار تفعيل مقتضيات المرسوم رقم 2.25.266. ويقوم هذا القرار، الصادر في 19 ماي 2025، على مبدأ إعادة توزيع المداخيل المصرح بها على أشهر السنة، بما فيها أشهر التوقف، من خلال آلية تقنية يشرف عليها الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي بعد انصرام كل شهر.

ورغم أهمية هذا المقتضى، يرى فاعلون مهنيون أن تنزيله العملي سيظل رهينًا بمدى قدرته على مواكبة واقع البحارة خلال فترات الراحة البيولوجية القارة، ومدى استكماله بتدابير اجتماعية أخرى، من قبيل التعويض عن التوقف الاضطراري وتكييف منظومة الضمان الاجتماعي مع خصوصية النشاط البحري. ولما لا التفكير في إنشاء صندوق يتولى مهام تدعيم القرارات الرتبطة بالمصايد ، لأن التحدي اليوم لا يكمن فقط في حماية السمك، بل في حماية الإنسان الذي ارتبط مصيره بالبحر، وضمان توازن حقيقي بين استدامة المورد وصيانة الكرامة الاجتماعية لرجال البحر.

Jorgesys Html test

أضف تعليقا

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا