بقلم: عبد الخالق جيخ *
في لحظة يتزايد فيها الوعي العالمي بأهمية حماية المحيطات وضمان استدامة الموارد البحرية، يجد المغرب نفسه مجدداً في قلب دينامية دولية تسعى إلى إعادة تشكيل العلاقة بين الإقتصاد والبيئة عبر ما بات يعرف بالإقتصاد الأزرق. وفي هذا السياق يأتي توقيع وثائق مشروع إدماج سلاسل قيمة الصيد المستدام ضمن الإقتصاد الأزرق (GMC2) كخطوة تعكس انخراط المملكة في مقاربة جديدة لتدبير الثروات البحرية، تقوم على التوفيق بين الاستغلال الاقتصادي والحفاظ على التوازنات الإيكولوجية، ضمن شبكة تعاون دولي تشمل بلداناً تتقاسم أنظمة بيئية بحرية متشابهة، من بينها دول تيار الكناري في الساحل الأطلسي الإفريقي ودول تيار همبولت في أمريكا اللاتينية.

المشروع الذي يموله مرفق البيئة العالمي وينفذه برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، بدعم تقني من مؤسسة متخصصة في إستدامة المصايد، يراهن على إدماج معايير الإستدامة في مختلف حلقات سلسلة الإنتاج السمكي، من لحظة الصيد إلى التسويق الدولي. وهو توجه ينسجم مع التحولات الكبرى التي تعرفها أسواق الغذاء العالمية، حيث أصبحت شفافية المصدر وإحترام المعايير البيئية والإجتماعية شرطاً أساسياً للولوج إلى الأسواق الكبرى، خاصة الأوروبية منها. ومن هذا المنطلق، يَعِد المشروع بتعزيز قدرة المنتجات البحرية المغربية على المنافسة الدولية، ليس فقط من خلال تحسين جودة التدبير العلمي للمصايد، بل أيضاً عبر اعتماد أدوات التتبع، وإرساء منظومات أكثر صرامة لمراقبة الإستغلال وتحديد الحصص.
ولا شك أن هذا الطموح يحمل في طياته مكاسب محتملة مهمة. فتعزيز البحث العلمي وتبادل البيانات بين الدول المتشاطئة على نفس النظم البيئية، من شأنه أن يرفع من دقة التوقعات المرتبطة بالمخزونات السمكية، خاصة الأنواع السطحية مثل السردين والأنشوبة التي تتأثر بشكل مباشر بالتقلبات المناخية. كما أن تحسين تنظيم سلاسل القيمة، قد يسمح برفع القيمة المضافة للمنتجات البحرية المغربية، عبر الإنتقال التدريجي من منطق بيع المادة الخام إلى تثمينها داخل منظومات صناعية أكثر تكاملاً، تربط بين الصيد والتصبير والتسويق.
غير أن هذه الصورة الإيجابية لا تخلو من تعقيدات تفرضها طبيعة القطاع البحري في المغرب، حيث يتداخل الحديث والهيكلي مع التقليدي وغير المهيكل، وتعيش فئات واسعة من الصيادين الساحليين والحرفيين على هامش التحولات الكبرى التي يعرفها القطاع. فاعتماد معايير الإستدامة الدولية وشهادات الجودة، على أهميتها البيئية، قد يتحول في بعض الحالات إلى عبء إضافي على الفاعلين الصغار، الذين يفتقرون إلى الإمكانات التقنية والمالية اللازمة للإمتثال لهذه المتطلبات. وفي ظل هذا الواقع، يبرز خطر اتساع الفجوة بين الوحدات الصناعية الكبرى القادرة على الإندماج السريع في المنظومات الجديدة، وبين الصيد التقليدي الذي يشكل العمود الفقري لإقتصاد العديد من المجتمعات الساحلية.
كما يطرح انخراط المغرب في مشاريع الإقتصاد الأزرق سؤالاً دقيقاً، يتعلق بكيفية التوفيق بين متطلبات السوق الدولية وحاجيات السوق الوطنية. فالتركيز على تعزيز الصادرات البحرية، حتى وإن كان في إطار استدامة بيئية، قد يخلق ضغطاً إضافياً على الموارد ويعيد توجيه جزء مهم من الإنتاج نحو الطلب الخارجي، في وقت يظل فيه المستهلك المغربي معنيّاً بشكل مباشر، بتوفر هذه الموارد وبأسعارها. هذا التوتر يظهر بوضوح في بعض القرارات التنظيمية المرتبطة بتدبير المخزون السمكي، مثل منع تصدير السردين المجمد، وهو إجراء يروم حماية السوق المحلية والصناعة الوطنية، وتقليل الضغط على الموارد، لكنه في المقابل يثير تساؤلات لدى الفاعلين الإقتصاديين، خاصة في المناطق الجنوبية التي تعتمد على أنشطة التجميد والتصدير كرافعة للتنمية المحلية.
ولا تقف الإشكالات عند هذا الحد، إذ إن التركيز الكبير على البعد البيئي في مشاريع الإقتصاد الأزرق، غالباً ما يتم دون موازاته بإصلاحات إجتماعية وإقتصادية عميقة داخل سلاسل الإنتاج. فمسألة توزيع القيمة المضافة بين مختلف المتدخلين، وظروف العمل داخل القطاع، ومكانة الإقتصاد غير المهيكل في المجتمعات الساحلية، كلها عناصر لا تزال تحتاج إلى معالجة متوازنة تضمن ألا تتحول الاستدامة إلى شعار تقني معزول عن الواقع الاجتماعي للقطاع.

ومن زاوية أوسع، لا يمكن فصل هذه المبادرات عن أبعادها الجيو-اقتصادية والسياسية. فتنظيم المصايد البحرية وحماية المحيطات أصبحا جزءاً من منظومة حوكمة عالمية للبحار، حيث تتداخل الإعتبارات البيئية مع مصالح الأمن الغذائي وسلاسل الإمداد الدولية. وفي هذا الإطار، يشكل التنسيق الإقليمي بين دول تيار الكناري، خطوة نحو إدارة جماعية للمخزونات المشتركة، لكنه في الوقت ذاته يعكس تنافساً غير معلن حول من يمتلك القدرة على التأثير في المعايير، التي تحكم تجارة المنتجات البحرية في العالم.
كل ذلك يجعل من مشروع إدماج سلاسل قيمة الصيد المستدام فرصة حقيقية، لتعزيز مكانة المغرب داخل الإقتصاد الأزرق العالمي، لكنه في الآن نفسه يضع صناع القرار أمام معادلة دقيقة تتطلب قدراً كبيراً من التوازن. فنجاح مثل هذه المبادرات لا يقاس فقط بعدد الشهادات البيئية أو بحجم الصادرات، بل بمدى قدرتها على حماية الموارد البحرية على المدى الطويل، وضمان عدالة أكبر داخل سلاسل الإنتاج، والحفاظ على حق المستهلك المغربي في الإستفادة من ثروات بلاده البحرية.
فالتحدي الحقيقي، إذن، لا يكمن في الإنخراط في المشاريع الدولية بحد ذاته، بل في كيفية تكييفها مع خصوصيات الواقع الوطني، عبر سياسات تشاركية، تعطي للصيادين الصغار والمجتمعات الساحلية موقعاً فعلياً في معادلة الإستدامة، وتحوّل الإقتصاد الأزرق من مجرد مفهوم عالمي جذاب، إلى رافعة تنموية متوازنة تخدم الإنسان والبيئة في آن واحد.
*عبد الخالق جيخ : فاعل كنفدرالي سابق مدون مهتم بشؤون الصيد البحري


























مصايد الأسماك المستدامة، عملنا الجاري.
يتراوح عمل منظمة الأغذية والزراعة في مجال مصايد الأسماك من وضع وتعزيز المعايير والممارسات الجيدة وصكوك السياسات العالمية إلى تقديم الدعم الفني بشأن القضايا الرئيسية المتعلقة بإدارة مصايد الأسماك، وتنفيذ مشاريع مصايد الأسماك للنهوض باقتصادات المحلية المزدهرة والممارسات الصديقة للبيئة.
https://www.fao.org/fishery/ar/topic/fisheries/projects
Changer de cap…!
Tracer la voie vers une économie océanique durable.
https://feature.undp.org/turning-the-tide/fr/