لم تُسفر عمليات التمشيط البحرية والبرية التي باشرتها مختلف الجهات المختصة بمحيط موقع حادث مركب الصيد الساحلي صنف الجر “ميس دكار 2” عن العثور على البحارة الخمسة المفقودين، في وقت خيّم فيه القلق والحزن على الأوساط المهنية والإنسانية المرتبطة بالقطاع.

وقد تواصلت جهود البحث بوتيرة مكثفة، مستعينة بوسائل بحرية ولوجستية مهمة، غير أن الظروف المرتبطة بسرعة غرق المركب وقوة الإصطدام جعلت فرضية نجاة المفقودين الخمسة ضئيلة للغاية وفق المعطيات الأولية. وفي سياق متصل، وصلت خافرة الإنقاذ الوحدة مساء أمس الأربعاء إلى ميناء الداخلة، وعلى متنها البحارة الثمانية الذين جرى إنقاذهم بفضل تدخل سريع لقوارب الصيد التقليدي، التي كانت تنشط بالقرب من موقع الحادث، في مشهد يعكس روح التضامن البحري التي تميز هذا الوسط.
وتشير المعطيات التي حصلت عليها البحرنيوز ، إلى أن السفينة المتورطة في الحادث هي سفينة صيد كبيرة ، ترفع علم ليبيا تحمل إسم “نجم الشمال” ، حيث بيّنت التحقيقات الأولية أنها غادرت موقع الحادث لتظهر لاحقاً في المياه الإسبانية، الأمر الذي عجّل بتفعيل المساطر القانونية الدولية من طرف السلطات المغربية المختصة. وتُرجّح المؤشرات أن هذه السفينة كانت طرفاً مباشراً في الإصطدام، خاصة وأن كلا المركبين كانا في حالة حركة، وهو ما يجعل الواقعة تندرج ضمن حوادث الاصطدام البحري، وليس دهساً كما تم تداوله في الساعات الأولى عقب الحادث.
وبحسب نفس المعطيات، فإن قوة الإصطدام لم تمنح طاقم مركب الصيد الوقت الكافي لاتخاذ تدابير السلامة الضرورية، حيث يُعتقد أن المركب غرق في ظرف وجيز، ما حال دون تمكن بعض البحارة من ارتداء سترات النجاة. كما يُرجّح أن عدداً من المفقودين كانوا في حالة نوم لحظة وقوع الحادث، الأمر الذي زاد من صعوبة نجاتهم. هذا الوضع المأساوي أعاد إلى الواجهة تساؤلات ملحّة حول مدى يقظة طواقم القيادة، وحول الأسباب التي حالت دون تفادي الاصطدام رغم توفر وسائل الملاحة والرصد الحديثة على متن كلا المركبين.
ويرى عدد من المهتمين أن فرضية الاعتماد على القيادة الآلية خلال الساعات الأولى قبل إنبزاغ الفجر، قد تكون من بين العوامل التي ساهمت في وقوع الحادث، خاصة وأن هذه التقنية، رغم فعاليتها، تظل رهينة بمتابعة بشرية دقيقة لضمان الإستجابة الفورية لأي خطر محتمل. كما أن أنظمة الرادار وأجهزة تحديد المواقع يفترض أن تتيح رصد الأجسام القريبة وتفادي الإصطدام، غير أن غياب اليقظة أو التأخر في التفاعل قد يحوّل هذه الوسائل إلى أدوات غير مستغلة بالشكل المطلوب.
وفي جانب المسؤوليات، تواجه السفينة الليبية تبعات قانونية ثقيلة، بالنظر إلى عدم توقفها عقب الإصطدام وعدم تقديمها المساعدة لطاقم كان في وضعية خطر كما أنها لم تبلغ على الحادث حيث أن اول إشارة بخصو الواقعة هي الصادرة عن جهاز راديو باليز، وصلت على الساعة الخامسة من صبيح أمس الأربعاء، مع العلم ان الحادث وقع على الساعة الثالثة، وهو ما يشكل خرقاً صريحاً للقوانين والأعراف البحرية الدولية، ويعرض السفينة لمساءلة قد تمتد إلى مستويات جنائية. وفي المقابل، شكّلت الظروف البحرية المستقرة عاملاً حاسماً في إنقاذ من كُتب لهم النجاة، حيث تمكنوا من السباحة والتمسك بالأمل إلى حين وصول قوارب الصيد التقليدي التي تدخلت في الوقت المناسب.
وقد عبّر الناجون عن صدمتهم من هول الحادث، فيما ذهب بعضهم إلى حد إعلان عدم العودة إلى البحر، تحت وطأة تجربة قاسية أعادت تشكيل نظرتهم إلى المهنة والمخاطر المحيطة بها. وبينما تتواصل التحقيقات لكشف كافة ملابسات الحادث وتحديد المسؤوليات، يبقى الأمل معلقاً، ولو بشكل ضعيف، على العثور على مفقودين حيث غستأنفت خافرة الإنقاذ الوحدة حملتها التمشيطة بمحيط الحادث، في انتظار ما ستسفر عنه الساعات المقبلة من معطيات جديدة.
يذكر أن جمعية إنقاذ الأرواح البشرية وبتنسيق مع مندوبية الصيد البحري بالداخلة وباقي المصالح المتدخلة قدمت العناية اللازمة ، كما تم إخضاع بعد الناجين لفحوصات طبية أظهرت سلامته ولله الحمد، فيما وفرت الجمعية شقتين لإيواء البحارة ، في إنتظار إستكمال مساطر التحقيق من خلال التقرير الذي سيقدمه ربان المركب المنكوب، وكذا الإستماع للبحارة الناجين ، للوقوف على مختلف ملابسات الحادث، فيما تتهيأ الجمعية المذكورة لتقديم دعم مادي لللبحارة، يوازي الدعم المعنوي المتواصل مند وصول خافرة الإنقاذ وملامسة البحارة لرصيف الميناء، في وضعية مطبوعة بالحزن والتدمر جراء وقع الصدمة وفداحة الخسائرة البشرية والمادية .


























