لغزاوي يكتب: “أنا قميص النجاة…”

0

بقلم: العربي لغزاوي*

الكثير منكم أنتم معشر البحارة، لا تدركون أهميتي أنا قميص النجاة؛ فقد ألفتم سماع هذا اللفظ دون الإمعان في دواعيه واستثنائية ظروف استعماله انتم أصلا، في قرارة أنفسكم تستبعدون اللجوء الى خداماتي يوما ما، حسب توهمكم، ترون أنها حوادث تقع فقط لآخرين.

أعرف اني أتواجد معكم رغما عنكم، بوجودي بينكم تتظاهرون باحترامكم لقانون السلامة أمام أجهزة المراقبة، ثم تنسونني، فأستخدم كوسادة حينا، ثم كخردة أحيانا اخرى، فتضعونني في أماكن للنسيان، أنتم لستم صادقين معي، تنافقونني، لا تدركون أهميتي لديكم، نعم أنا لا أصطاد سمكا، و لكن يمكنني أن أنتج أكثر من ذلك، بإنقاذكم فقد أكون ساهمت في اصطياد الموت الدي لاحقكم.

تمر الأيام وتتواصل رحلاتكم البحرية، وتكبر نجاحاتكم ويستكين تركيزكم على العمل فقط، دون التفكير في تدابير السلامة من المخاطرالتي بانتظاركم، ويوما ما ستجدون أنفسكم في مواجهة مباشرة مع جبروت البحر، ليس على الباخرة بل جسدك المسكين، مشكلا ذلك الشيء العائم في عالم تدرك لأول مرة أنه أشد قسوة مما تتصور. أمواج عاتية، رياح قوية، برودة قاتلة، وربما ظلام الليل، فستجده حتما موقفا غريبا وليس بشاعري.

أول وسيلة تحول بينك وبينك تلك الصورة القاتمة هي – أنا – قميص النجاة فهل تدرك ذلك؟

فهل تعلم صيرورة الأحداث إذا سقطت في البحر بدوني أنا قميص النجاة؟ وهل أنت على بينة من بروز دوري لمصلحتك و نجاتك؟ وهل تعلم شيئا عن محددات مواصفاتي، أنا قميص النجاة، وماهية تجهيزاتي؟

حوالي 45000 شخص يموتون سنويا غرقا في البحار، والوديان و المسابح، بدوني الغريق يجد نفسه Hمام حالات نفسية وفيزيائية تجعله يغرق اسرع مما يتصور، عدم استطاعته التحكم في مخارج ومداخل الهواء خارج الماء، صدمة الارتماء في الماء فتتسارع دقات القلب، مسببة عياء ما يصعب معه التحكم في عضلات تمنع ابتلاع الماء، نزول حرارة الجسم فتتعطل قوى مقاومة الغرق… لتجدني جاهزا في يومك الأسود،/ هل تعلم كيف تحافظ علي، في أيامك الخضراء آمنا على باخرتك التي بدورها مهددة بالغرق في كل وقت، و حين؟

وأخيرا هل تعلم كيفية استعمالي؟ أعني استعمالي في الظروف العصيبة وقت إخلاء السفينة. وهل سبق أن عرفت ماهية الظروف الطارئة بصفة عامة؟ وظروف إخلاء الباخرة خاصة، حباك الله قوة جسمانية فاعلم انها لن تجديك في شيء امام جبروت البحر، ومنحك الله قوة نفسية فلا تكسرها بتعرضك لظروف تفوق طاقتك. تسألني أنا تلك الظروف وقد حكت لي بنات جلدتي من قمصان النجاة قصصا مروعة، كانت شاهدة عليها حين غرقت بواخر صيد أنت تعرف أغلبها.

هل تعلم انه يجب عليك ارتدائي، بطريقة صحيحة بأسرع وقت ممكن، وهل للتمكن من ذلك عليك بإجراء تداريب معي وعلي؟ هل تعلم أني قميص النجاة مصنف حسب المعايير المطلوبة، يجعلك حين ارتداءك لي، طافيا فوق الماء، وجهك إلى أعلى بشكل كاف، وأني أعمل على قلب جسدك، ليكون وجهك إلى أعلى وإن كنت فاقدا للوعي في أٌقل من خمس ثواني .

لعلمك أنا صدرية النجاة، مجهزة بعاكس للضوء ليسهل العثور عليك، ومجهزة بصافرة لإثارة انتباه من حولك، وخاصة فرق البحث والإنقاد، ومجهز ببطارية تبعث إشارة في ظلمة الليل للعثور عليك. اعلم أنه لن تبقى لك القوة للصياح، ولا حتى الهمس، أعلم انك ستكون بمثابة ذرة في عرض البحر وأنا قميص النجاة وحدي، أمكنك من البقاء طافيا في انتظار وصول الإنقاذ.

يقولون احفظ درهمك الأبيض ليومك الأسود، وأنا اقول احفظ قميص نجاتك، ليوم يداهمك فيه خطر الغرق، لا تستعملني وسادة، حين تتقادم تجهيزاتي أو يصبني مكروه، إعمل على صيانتي، على أحسن وجه، وغيرني بقميص آخر، لأنه أنا بدوري حينما أتقادم ، لا أستطيع الطفو فوق الماء بسهولة، تشبع اسفنجاتي، وأعجز عن إنقاد نفسي، فكيف لي أن أطفو بوزنك الأدمي .

هل تعلم أننا أصناف وأنواعا، فينا القميص الصلب و منا المتوفر على جهاز يساهم في نفخ الصدرية، بمجرد وصولها الماء، فالقميص الصلب يتوفر على نجاعة نسبية، ولكن إدا حملتني وقت العمل سأضايقك، وأشل حركتك، وأحد من مجهودك الجسدي. فشكلي لا يتماشى مع عملك الروتيني على الباخرة، بينما زميلي قميص النجاة القابل للانتفاخ، يمكنك حمله أثناء العمل، خفيف الوزن، سهل الارتداء، مجهز بتقنية الانتفاخ حين سقوطك في البحر.

*بقلم العربــــــــــــــي لغزاوي خبير محلف في المجال البحري، أحد أهم الأطر بالمعهد العالي للصيد البحري بأكادير، خبير في السلامة، وتدبير صيانة البواخر، و المنشآت الصناعية.

 

أضف تعليقا

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا