تعكس مشاركة المغرب في الدورة الثانية والثلاثين من معرض Seafood Expo Global، المنعقد في برشلونة، تحولا عميقا في تموقعه داخل الاقتصاد البحري العالمي، حيث لم يعد حضوره مقتصرا على عرض منتجات أولية، بل أصبح يعبر عن منظومة إنتاج متكاملة تجمع بين الصيد والتثمين والتصنيع والتصدير في إطار رؤية اقتصادية مندمجة. هذه المشاركة، التي تضم نحو 35 مؤسسة مقاولاتية مغربية تحت إشراف Morocco Foodex، تؤكد أن المملكة اختارت بوضوح الرهان على القيمة المضافة كمدخل رئيسي لتعزيز تنافسيتها في الأسواق الدولية.

ويمتد الجناح المغربي على مساحة لافتة داخل مركز Fira de Barcelona، حيث يقدم عرضا متنوعا يعكس ثراء السواحل المغربية وتعدد منتجاتها، من الأسماك الطرية إلى المجمدة والمصبرات، مرورا بمنتجات مصنعة تستجيب لأرقى المعايير العالمية. وهو التنوع الذي لا يترجم فقط وفرة الموارد، بل يجسد أيضا التحول الصناعي الذي يشهده القطاع، مدفوعا باستثمارات في التكنولوجيا وسلاسل التبريد والتخزين والتوزيع، ما يتيح للمنتج المغربي الحفاظ على جودته والوصول إلى مستهلكين جدد عبر العالم.
وتتجاوز الأهمية الاقتصادية لهذه المشاركة بعدها الترويجي، إذ تشكل منصة عملية لعقد شراكات تجارية واستكشاف فرص استثمارية جديدة. فالإقبال الملحوظ من قبل المستوردين والموزعين الدوليين يعكس تنامي الثقة في العرض المغربي، خاصة في ظل التزامه بمعايير الجودة والإستدامة، وهي عناصر باتت حاسمة في توجيه قرارات الشراء داخل الأسواق الكبرى. كما أن حضور الفاعلين المغاربة وسط أكثر من 2000 شركة من 87 دولة يضعهم في قلب المنافسة العالمية، ويمنحهم فرصة مباشرة لمواكبة التحولات المتسارعة في أنماط الاستهلاك وسلاسل التوريد.

ويبرز المغرب في سياق دولي يتزايد فيه الطلب على المنتجات البحرية كمصدر أساسي للبروتين، كفاعل قادر على الاستجابة لهذا الطلب بمرونة وكفاءة. فالمملكة لا تراهن فقط على الصيد البحري، بل تعمل أيضا على تطوير تربية الأحياء المائية كرافعة مستقبلية لتعزيز الإنتاج وضمان استدامته. هذا التوجه ينسجم مع الدينامية التي يكرسها المعرض، خاصة من خلال الفضاءات المخصصة للابتكار في هذا المجال، والتي تجمع بين التكنولوجيا والبحث العلمي والاستثمار.
كما أن البعد الصناعي للقطاع يحظى باهتمام متزايد، حيث يشكل تطوير تقنيات المعالجة والتغليف والخدمات اللوجستية عاملا حاسما في تعزيز تنافسية المنتجات المغربية. ويمنح هذا التكامل بين الإنتاج والتحويل والتسويق المغرب قدرة أكبر على التحكم في سلاسل القيمة، ويعزز موقعه كمصدر موثوق قادر على تلبية متطلبات الأسواق الدولية من حيث الجودة والاستمرارية.

ولا يمكن إغفال البعد الاستراتيجي المرتبط بالاستدامة، الذي أصبح محددا رئيسيا في مستقبل القطاع. إذ يسعى المغرب، الذي راكم تجربة مهمة في تدبير المصايد، إلى تحقيق توازن بين استغلال الموارد والحفاظ عليها، وهو ما يمنحه أفضلية تنافسية في ظل تزايد وعي المستهلكين بأهمية المنتجات المستدامة. وهي المقاربة التي تفتح أمامها آفاقا أوسع للولوج إلى أسواق جديدة تشترط معايير بيئية صارمة.
ويعمس المعرض، الذي يمتد على مساحة عرض ضخمة ويستقطب عشرات الآلاف من الزوار، الوزن المتزايد لصناعة المنتجات البحرية في الاقتصاد العالمي، كما يبرز أهمية الابتكار والتكامل الصناعي في تحقيق النمو. ما يجعل من هذا الحدث فرصة للمغرب لتأكيد انتقاله من موقع المورد التقليدي إلى شريك صناعي وتجاري متكامل، قادر على المنافسة وخلق القيمة والمساهمة في تحقيق الأمن الغذائي العالمي. حيث وبهذه الرؤية، يواصل القطاع البحري المغربي تعزيز ديناميته، مستندا إلى مؤهلات طبيعية وبشرية واستثمارات استراتيجية تؤهله للعب دور محوري في الاقتصاد الأزرق خلال السنوات القادمة.


























