كشفت دراستان حديثتان أنجزهما المعهد الإسباني لعلوم المحيطات ومركز المحيطات في جزر البليار عن تحولات عميقة في النظم البيئية البحرية بالبحر الأبيض المتوسط، نتيجة تسارع وتيرة التغير المناخي، حيث أظهرت النتائج أن نحو نصف الأنواع البحرية ذات الأهمية التجارية غيّرت نطاق انتشارها خلال العقدين الماضيين، في مؤشر يثير مخاوف متزايدة بشأن مستقبل المصايد السمكية والتنوع البيولوجي البحري بالمنطقة.

وتأتي هذه النتائج في سياق الارتفاع المتسارع لدرجة حرارة مياه البحر الأبيض المتوسط، الذي يسجل معدلات تفوق ما تشهده المحيطات العالمية بمرتين إلى ثلاث مرات. وبينما كانت التوقعات العلمية ترجح انتقال الأنواع البحرية نحو الشمال أو إلى أعماق أكبر بحثاً عن مياه أكثر برودة، كشفت المعطيات الميدانية عن أنماط هجرة أكثر تعقيداً، شملت في حالات عديدة انتقال الأنواع نحو الجنوب والجنوب الغربي.
واعتمدت الدراسة الأولى، التي تناولت موائل تكاثر سمك أبو سيف في غرب البحر الأبيض المتوسط، على بيانات ممتدة بين سنتي 2004 و2022. وأظهرت أن ارتفاع حرارة المياه أدى إلى تسريع نمو اليرقات وتقديم موعد التكاثر تدريجياً، بما يقارب نصف يوم سنوياً، الأمر الذي وسّع المساحات الملائمة لتطور المراحل الأولى من حياة هذا النوع.
غير أن الباحثين حذروا من أن هذا التوسع الظاهري لا يعكس تحسناً في الظروف البيئية، إذ تزامن مع تراجع ملحوظ في تركيز الكلوروفيل، المؤشر الأساسي للإنتاجية البيولوجية البحرية وتوافر الغذاء في قاعدة السلسلة الغذائية. ونتيجة لذلك أصبحت اليرقات تجد مناطق أوسع للتفقيس، لكنها تواجه موارد غذائية أقل، ما قد ينعكس سلباً على معدلات بقائها وتجدد المخزون السمكي.
أما الدراسة الثانية فحللت تطور توزيع 102 نوع من الأسماك واللافقاريات القاعية على طول الساحل الإسباني بين عامي 1994 و2019. وأظهرت أن 42 نوعاً غيّرت توزيعها الجغرافي بشكل واضح، مع تسجيل تحولات واسعة نحو الجنوب والجنوب الغربي، خلافاً للتصورات التقليدية المرتبطة بالهجرة نحو المناطق الأبرد. ويربط الباحثون هذه التحركات بما يعرف بسرعة التغير المناخي المحلي، وهو مؤشر يحدد الاتجاه الذي ينبغي أن تسلكه الأنواع للحفاظ على ظروفها الحرارية المفضلة.
كما بينت النتائج أن أكبر التحولات سُجلت في المناطق التي تعرف أسرع معدلات الاحترار، حيث اتجهت بعض الأنواع إلى أعماق أكبر هرباً من ارتفاع الحرارة، بينما غيرت أنواع أخرى مواقع تجمعاتها نحو مناطق جديدة داخل الحوض المتوسطي.
وأكد الباحثون أن هذه التحولات تفرض مراجعة شاملة لسياسات تدبير المصايد والموارد البحرية، عبر اعتماد مقاربات تكيفية تأخذ بعين الاعتبار التغيرات المتسارعة في توزيع الأنواع البحرية وتطور الشبكات الغذائية. ويرى معدو الدراستين أن ضمان استدامة المصايد السمكية والأمن الغذائي البحري في المتوسط يقتضي إدماج آثار التغير المناخي في التخطيط المستقبلي وإجراءات حماية المخزونات البحرية.


























