*بقلم: عبد الخالق جيخ
قد يبدو غريباً أن يجد المرء نفسه مضطراً إلى الإنصاف في حق شخص ظلّ لسنوات موضوعاً لانتقاداته، لكن بعض الملفات تفرض مراجعة المواقف حين تتكلم الوقائع بلغة أوضح من الإنطباعات. هذا ما حدث لي وأنا أتابع النقاش الدائر حول أزمة المحروقات في قطاع الصيد البحري، حيث بدا رئيس غرفة الصيد البحري بأكادير، الذي اختلفت معه في أكثر من محطة، من بين القلائل الذين وضعوا أصابعهم على جوهر المشكلة بعيداً عن المزايدات والخطابات الجاهزة.

فحين فُتح ملف المحروقات لم يتحدث الرجل عن وجود نوعين من الوقود أو عن تمييز في المادة نفسها، بل اختصر المعضلة في سؤال بسيط وعميق، إذا كان الوقود واحداً والسعر المرجعي واحداً، فمن أين يأتي هذا الفارق الكبير الذي يثقل كاهل المهنيين؟ الجواب، بحسب ما كشفه، لا يوجد في الخزانات ولا في الأرصفة، بل في المسار الذي تسلكه المادة قبل أن تصل إلى المراكب. هناك من يقتنيها مباشرة من الشركات المزوّدة، وهناك من يحصل عليها عبر سلسلة من الوسطاء والموزعين، وبين الطرفين تنشأ هوامش ربح تتضخم تدريجياً حتى تتحول إلى عبء ثقيل على كلفة الإنتاج وعلى استقرار القطاع برمته.
ما أثار الانتباه أكثر في هذا النقاش ليس فقط تشخيص الخلل، بل الإعتراف الضمني بأن جزءاً من الأزمة يعود أيضاً إلى ضعف التنظيم المهني وتشتت المجهزين وعجزهم عن بناء قوة تفاوضية موحدة، قادرة على فرض شروط أكثر عدالة في السوق. فكل محاولة للإقتراب من هذا الملف كانت تصطدم، بحسب شهادات متعددة، بمقاومة شرسة من شبكات مصالح راكمت امتيازات كبيرة حول تجارة المحروقات داخل الموانئ. وهنا تصبح المفارقة مؤلمة، فالقرب من خزان الوقود قد يكون بالفعل أخطر من الإقتراب من بارود مكشوف، لأن المصالح المرتبطة به أكثر تعقيداً وتشابكاً من أن تُواجه بخطابات ظرفية أو مواقف موسمية.
الأكثر إثارة للقلق أن الدولة كانت قد فتحت في مرحلة سابقة باباً كان يفترض أن يشكل مخرجاً عملياً من هذه التبعية، من خلال الترخيص بإحداث مستودعات لتخزين وتوزيع المحروقات داخل الموانئ. الفكرة في أصلها كانت واضحة، تمكين المهنيين من الشراء الجماعي بأسعار الجملة مباشرة من الشركات الأم، بما يحد من سطوة الوسطاء ويمنح القطاع قدرة أكبر على التحكم في تكاليفه. غير أن ما وقع في عدد من الحالات ابتعد عن هذا الهدف النبيل، إذ تحولت بعض هذه المستودعات من آلية تضامنية إلى مشاريع ذات طابع تجاري خاص، وأصبح من كان يفترض أن يستفيد من الإصلاح جزءاً من الحلقة التي تعيد إنتاج المشكلة نفسها.
وبدل أن تؤدي هذه البنيات إلى تقليص الفوارق السعرية، ساهمت في تكريسها، وبدل أن تضعف نفوذ الوسطاء، أفرزت وسطاء من نوع جديد داخل الجسم المهني نفسه. وهكذا وجد العديد من المراكب نفسها رهينة لشبكات محدودة تتحكم في شروط التزود بالوقود وفي هوامش الربح المرتبطة به، في مشهد يعكس خللاً في الحكامة أكثر مما يعكس أزمة في الموارد أو الإمكانيات.
وعند العودة إلى الإطار القانوني، تبرز مفارقة لا تقل غرابة. فمرسوم 31 دجنبر 1985 ما يزال قائماً من الناحية القانونية، وما تزال مقتضياته المتعلقة بالإعفاءات الجبائية والضريبية الخاصة بالمحروقات الموجهة للقطع البحرية الوطنية سارية المفعول. غير أن الإشكال لم يعد مرتبطاً بالنص الأصلي، بل بالتحولات التي طرأت على البيئة القانونية والإقتصادية المحيطة به. فمع تحرير سوق المحروقات ورفع الدعم العمومي وإلغاء آليات ضبط الأسعار، انتقل القطاع من وضع كان يوفر قدراً من الحماية والإستقرار إلى وضع أصبح فيه خاضعاً بالكامل لمنطق السوق الحرة وتقلباتها.
لقد احتفظ القطاع نظرياً بالإعفاءات، لكنه فقد عملياً آليات الحماية التي كانت تجعل هذه الإعفاءات ذات أثر حقيقي على الأسعار. كما ساهمت التعقيدات الإدارية المرتبطة بمساطر الإستفادة من هذه الإمتيازات في دفع عدد من المهنيين إلى البحث عن حلول بديلة عبر الوسطاء والمستودعات الخاصة، الأمر الذي فتح المجال أمام ممارسات تفتقر إلى الشفافية وتغذي اقتصاد الريع داخل الموانئ.
وإذا كانت هذه الاختلالات تنعكس على المجهزين، فإن آثارها تصبح أكثر قسوة عندما تصل إلى البحارة. فالمتضرر الأخير في هذه السلسلة الطويلة من الإختلالات هو العامل البحري الذي يجد نفسه أمام نظام محاصة يتآكل تدريجياً تحت ضغط تضخم المصاريف المعلنة للرحلات البحرية. وفي غياب الشفافية الكاملة بشأن كلفة الوقود الحقيقية، يصبح من السهل تحميل البحارة أعباء إضافية تقلص حصصهم من العائدات وتضعف قدرتهم على مواجهة متطلبات الحياة اليومية.
ومن هنا فإن النقاش حول المحروقات لا ينبغي أن يُختزل في خلاف مهني أو في جدل حول الأسعار فقط، بل يجب أن يُنظر إليه باعتباره قضية ذات أبعاد اقتصادية واجتماعية وسيادية. فالصيد البحري ليس قطاعاً هامشياً، بل أحد أعمدة الأمن الغذائي الوطني ومصدراً أساسياً لعيش آلاف الأسر المغربية. لذلك يبدو من غير المفهوم أن يستمر هذا القطاع في مواجهة تقلبات السوق وحده، بينما تستفيد قطاعات أخرى من آليات دعم أو مواكبة عمومية كلما اشتدت الأزمات.
إن المطلوب اليوم ليس مجرد البحث عن حلول تقنية معزولة، بل إطلاق ورش إصلاحي متكامل يعيد الاعتبار لمنطق العدالة والشفافية داخل منظومة التزود بالمحروقات. وهذا يمر عبر مراجعة آليات التوزيع، وتعزيز الرقابة على هوامش الربح، وتمكين المهنيين من أدوات تفاوض جماعية أكثر فعالية، وإعادة تنظيم المستودعات المينائية بما يخدم المصلحة العامة للقطاع بدل المصالح الخاصة لفئات محدودة.
لكن قبل كل ذلك، يحتاج القطاع إلى صوت ترافعي صادق ومستقل، يضع المصلحة الوطنية فوق الحسابات الضيقة، ويدافع عن حقوق المهنيين والبحارة بعيداً عن منطق الولاءات والامتيازات. فالأزمة الحقيقية لم تعد فقط أزمة قوانين أو أسعار، بل أزمة إرادة في مواجهة منظومات الريع التي استطاعت، عبر السنوات، أن تجعل من مادة حيوية مخصصة لدعم الإنتاج والتنمية مصدراً دائماً للاحتكار والتربح.
وعندما يصل الأمر إلى حد تهديد استقرار آلاف الأسر البحرية وإضعاف أحد القطاعات الحيوية للاقتصاد الوطني، فإن الصمت يصبح شكلاً من أشكال التواطؤ. لذلك فإن معركة إصلاح منظومة المحروقات في الصيد البحري ليست مجرد مطلب مهني، بل استحقاق وطني يرتبط بحماية العدالة الاقتصادية وصون الأمن الغذائي وضمان كرامة البحارة الذين يواجهون البحر كل يوم ليؤمنوا قوت البلاد. وفي هذا السياق، يصبح الاقتراب من خزان الوقود ليس مجرد اقتراب من ملف اقتصادي شائك، بل اقتراباً من سؤال أعمق يتعلق بمستقبل الحكامة والإنصاف داخل أحد أهم القطاعات الاستراتيجية بالمغرب.
*عبد الخالق جيخ فاعل كنفدرالي سابق مدون مهتم بشون الصيد والإقتصاد الأزرق
























مرسوم رقم 2.85.890 صادر في 18 من ربيع الآخر 1406 (31 ديسمبر 1985) تعفى بموجبه من جميع الرسوم والضرائب مواد الوقود والمحروقات والزيوت الملينة المستهلكة خلال بعض عمليات الملاحة البحرية.
https://www.douane.gov.ma/code/T_code_890_a.htm