بقلم: عبد الخالق جيخ
وأنا أطالع ما يجول في الساحة المهنية من حصرة على مجموعة من المصايد، عاد إلى ذهني المثل الشعبي القائل: الصيف ضيّعتِ اللبن. لم يكن استحضاره مجرد استعارة بلاغية، بل إحالة موجعة على لحظة كان فيها الممكن متاحًا، قبل أن تضيق الدوائر ويتسع القلق. فاللبن في الوجدان الشعبي ليس شرابًا عابرًا، بل رمز للنعمة حين تكون قريبة، وللفرصة حين تكون في متناول اليد، وللإستقرار حين يبدو أمرًا بديهيًا.

وفي واقع الصيد البحري، قد يكون اللبن هو المخزون السمكي نفسه، أو هامش الزمن الذي كان يسمح بإصلاح هادئ، أو الثقة بين الفاعلين، أو القدرة على اتخاذ القرار قبل أن تستفحل الإختلالات.
لقد تحمّلنا، رفقة بعض الإخوة، عبء التحفّظ حين رفضنا عددًا من مخططات الوزارة. لم يكن رفضًا لفكرة التحديث، ولا اعتراضًا على المراقبة أو السلامة، بل كان اعتراضًا على أسلوب التنزيل، على غياب التدرّج، وعلى تغييب المقاربة التشاركية. عارضنا احتكار جهاز التتبع VMS من طرف جهة وحيدة، لأن التجربة وما رافقها من تحفظات كانت تدعونا إلى المطالبة بالشفافية والضمانات الواضحة. كنا مع المراقبة، ولكن ضد أن تتحول إلى أداة بلا رقابة مضادة.
ورفضنا نظام الزونينغ لأننا نؤمن أن قوة المهنيين في وحدتهم، وأن المصايد المغربية ملك لجميع المهنيين المغاربة، انسجامًا مع روح الدستور، فلا يجوز أن تتحول الحقوق التاريخية إلى امتيازات قابلة للمنح أو السحب. كما تحفظنا على طريقة تنزيل الصناديق البلاستيكية لما شابها من ارتجال، وطالبنا بفصل المسارات بين الصيد بالجر والصيد السطحي، وبفترة انتقالية واقعية تراعي وضعية المراكب وإمكانات التدبير. تساءلنا عن مصير الفائض من المصطادات، وحذرنا من رميها في البحر بما قد يخلّ بالتوازن البيئي، ونبهنا إلى مخاطر ارتفاع نسبة الهستامين في غياب تجهيزات ملائمة وعنابر عازلة للحرارة في ذلك الوقت.
وعارضنا منع سمك القرب، أو الكوربين، على مراكب الصيد الساحلي حين كان مصيره الرمي في البحر، لما في ذلك من هدر لثروة وطنية وإضرار بالبحار والمستهلك معًا. كان القرب بالنسبة للبحار فرصة نادرة، صيدًا قد يحقق أمنية مؤجلة أو يسد عجزًا متراكمًا. كما كنا ضد التوسع الصناعي غير المنضبط على حساب القدرة البيولوجية للمخزون، خاصة عبر مراكب RSW، إيمانًا منا بأن زيادة الضغط على المورد ستسرّع استنزافه وتُرهق ما تبقى منه.
قلنا يومها إن الإصلاح لا يتحقق بالقفز فوق الواقع، بل بتدرّج محسوب، وبالإنصات إلى أهل الميدان، وبالإستناد إلى المعرفة العلمية قبل اتخاذ القرار. واليوم، في ظل حالة من الترقب والخوف على مستقبل القطاع، يحق لنا أن نتساءل بهدوء: هل استثمرنا زمن الإمكان كما ينبغي؟ أم أن بعض الفرص ضاع حين كان بالإمكان تداركه؟
ومع ذلك، فإن استدعاء المثل لا يحمل روح الشماتة ولا إعلان النهاية، بل هو تنبيه حتى لا يتكرر الخطأ. فإذا كان بعض اللبن قد أُهدر، فما زال ما تبقى يستحق الحماية. فالقطاع لم يُغلق بابه بعد، والمخزون، ما دام لم يبلغ نقطة اللاعودة، قادر على التعافي متى توفرت الإرادة الصادقة والحكامة الرشيدة.
حتى لا يتحول الصيف ضيّعتِ اللبن إلى توصيف نهائي لمرحلة بأكملها، علينا أن نُحسن إدارة ما تبقى من النعمة، وأن نستدرك ما يمكن استدراكه، قبل أن يصبح الندم واقعًا لا ينفع معه تحسر ولا خطاب.
*عبد الخالق جيخ: فاعل كنفدرالي سابق مدون مهتم بشؤون الصيد البحري
























القضايا الأخلاقية في قطاع مصايد الأسماك.
بات من الواضح اليوم أنّ موارد مصايد الأسماك لم تعد قادرة على مواكبة معدلات الاستغلال والتنمية التي تسير بخطى قياسية، وبدون رقابة في معظم الأحيان، الأمر الذي يتطلب إتباع أساليب إدارة وصيانة جديدة.
وتعتبر اليوم الاهتمامات الأخلاقية المتصلة برفاهية الإنسان وبالنظام الايكولوجي عنصراً جوهرياً في المداولات بشأن المستقبل الذي نريده لمصايد الأسماك وللصيادين.
https://openknowledge.fao.org/items/dadef3af-a5b2-4a16-b287-39fafa7c07aa