دروس المرسى : الإصلاح لا ينجح دون إنصات ميداني

1
Jorgesys Html test

بقلم : عبد الخالق جيخ*

حين يغيب الإنصات الميداني تتراكم الأخطاء وتُهدر الجهود، فيتحول الإصلاح المنشود إلى مصدر للتوتر والاحتقان. هذا ما نلمسه اليوم في ميناء مدينة المرسى بجهة العيون، بعد الشروع في تفعيل نظام “الدلالة”، حيث طفت على السطح من جديد إشكالية طريقة التدبير  القطاعي، وخصوصًا حين تُتخذ القرارات بمعزل عن واقع الميدان وتعقيداته.

لقد عشنا تجارب مشابهة في الماضي، أبرزها عند فرض الصناديق البلاستيكية الموحدة والمطابقة لمعايير الجودة في بداية العقد الثاني من الألفية الثالثة. يومها عبّرنا بوضوح عن رفضنا لاحتكار المكتب الوطني للصيد البحري لتدبير عملية كراء تلك الصناديق، ليس بدافع المعارضة المجردة، بل استنادًا إلى تجربة ميدانية انطلقت منذ سنة 2005. كنا نتابع، ونراقب، ونجتهد في التطبيق، لكننا خسرنا العشرات من الصناديق بين ضائع ومكسور ومسروق، وكنّا على يقين بأن المكتب، بما يتوفر عليه من إمكانيات لوجستيكية وبشرية محدودة، لن ينجح في هذه المهمة.

ما اعترضنا عليه آنذاك ليس الفكرة في حد ذاتها، بل الطريقة. فكل مشروع إصلاحي يحتاج إلى فهم دقيق للواقع قبل الشروع في التنفيذ، وإلى إشراك الفاعلين الميدانيين الذين يعيشون تفاصيل القطاع يومًا بيوم. لقد نبّهنا إلى أن الفشل محتوم لأن مقاربة المركز لا تنسجم مع خصوصيات الميدان، وحاولنا أن نجنّب القطاع مزيدًا من الهدر في المال العام والجهد والوقت.

لم نكن دعاة رفض، بل قدمنا بدائل عملية لو أُخذت بعين الاعتبار لكان الوضع مختلفًا اليوم. فمن الطبيعي أن يستطيع المجهز، الذي يجهز مركبه بملايين الدراهم، أن يوفر صناديق بلاستيكية مطابقة للمعايير، تحمل اسم مركبه ورقم الميناء الذي ينشط فيه، مقابل أداء تكلفتها على أقساط معقولة. كان ذلك ليضمن التتبع والجودة، ويمنع في الوقت نفسه استعمال الصناديق من طرف غير أصحابها.

الأجدر بالمكتب الوطني للصيد البحري أن يتعامل مع هذا الملف من زاوية تشاركية مفتوحة، عبر إطلاق طلب عروض وطني لتصنيع صناديق موحدة، مع إشراك المقاولات المحلية والمجهزين والبحارة في بلورة النموذج الأنسب. كما يمكن فتح المجال أمام شباب الموانئ لإنشاء محلات معتمدة لجمع الصناديق وتنظيفها وإعادة توزيعها، بما يخلق دينامية اقتصادية وفرص شغل إضافية داخل الموانئ.

ولأن القطاع متعدد الأوجه، فلا بد من التمييز بين صيد الأسماك السطحية وصيد أسماك القاع، فلكل نشاط خصوصياته وأسواقه وآلياته، ولا يعقل أن يُعامل الاثنان بمنطق إداري واحد. التجربة أثبتت أن الحلول الجاهزة لا تصلح إلا على الورق، أما في الميدان فـ“أهل مكة أدرى بشعابها”.

إن ما يحدث اليوم في ميناء المرسى ليس سوى نتيجة لتكرار الأخطاء ذاتها: غياب الإنصات، وضعف التشاور، والرهان على القرارات الفوقية بدل المقاربة التشاركية. والإصلاح الحقيقي لا يقوم على فرض الأمر الواقع، بل على بناء الثقة بين الإدارة والمهنيين، وعلى احترام الخبرة المتراكمة لدى الفاعلين في الميدان.

إننا، انطلاقًا من تجربة ومسؤولية، نضع هذا الرأي رهن إشارة الإدارة الوصية والمديرة العامة للمكتب الوطني للصيد البحري، إيمانًا منا بأن الحوار هو الطريق الأقصر نحو إصلاح مستدام، وأن الإصغاء للواقع الميداني هو أول خطوة لتصحيح المسار.

عبد الخالق جيخ: فاعل كنفدرالي سابق ،مدون مهتم بشؤون الصيد البحري

Jorgesys Html test

تعليق 1

أضف تعليقا

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا