يتطلع المغرب إلى إمتلاك أسطول تجاري وطني قوي، حديث وتنافسي، يكون أداة استراتيجية لضمان أمن الإمدادات وحماية المصالح الاقتصادية تماشيا مع التوجيهات الملكية السامية الصادرة قبل عامين ضمن خطاب المسيرة الخضراء المظفرة. حيث دعا فاعلون في قطاع النقل البحري إلى تعبئة وطنية شاملة لإعادة بناء الأسطول التجاري المغربي واسترجاع مكانة الراية الوطنية في التجارة الدولية.

ويؤكد مهتمون بالشان البحري في تفاعلهم مع هذه التطلعات الجادة، أن بناء هذا الطموح يقتضي إصلاحاً شاملاً يمتد من التنظيم القانوني إلى الحوكمة والتكوين والجباية واللوجستيك، فالمسألة البحرية ليست امتلاك سفن فحسب، بل هي منظومة متكاملة تتداخل فيها الكفاءات والمؤسسات والسياسات العمومية.
ومن أبرز التحديات التي تواجه هذا القطاع، يبرز غياب نظام جبائي ملائم للأنشطة البحرية. فالمغرب لا يعتمد بعد نظام “الضريبة على الحمولة” الذي تتبناه القوى البحرية الكبرى لتشجيع الاستثمار وضمان التنافسية، ما يجعل الاستثمار تحت الراية المغربية محدود الجاذبية. كما أن البطء الإداري يضيف عائقاً آخر، إذ تستغرق إجراءات تسجيل السفن في المغرب فترات طويلة مقارنة بالدول التي تضمن سرعة ومرونة في التعامل، وهو ما ينعكس سلباً على ثقة المستثمرين والفاعلين الاقتصاديين.
غير أن التحدي الأعمق، وفق الفاعلين، يتعلق بالعنصر البشري. فالقطاع البحري المغربي يعاني من نقص حاد في الكفاءات، ومن تراجع في الخبرة المهنية للبحارة والتقنيين. هذا الوضع يتطلب حسب تعبيرهم، إعادة نظر جذرية في منظومة التكوين، عبر إنشاء مراكز متخصصة وتطوير برامج تعليمية حديثة، وربطها بشراكات مع مؤسسات دولية تتيح تبادل الخبرات وتعزيز نقل المعرفة بين الأجيال. فالسفن وحدها لا تصنع السيادة البحرية، بل يصنعها الإنسان المؤهل القادر على حمل ثقافة بحرية وطنية.
كما أن الأحداث العالمية الأخيرة، من جائحة كوفيد-19 إلى التوترات الجيوسياسية، أكدت أن امتلاك الأساطيل الوطنية أصبح ضرورة استراتيجية لضمان الإستقلال الإقتصادي وتأمين سلاسل الإمداد. واستلهاماً من التجارب الدولية، يوصي المهتمون، بالإستفادة من نماذج مثل فرنسا التي أنشأت أسطولاً استراتيجياً للطوارئ، واليابان التي تؤمن أغلب تجارتها بأسطولها المحلي، وسنغافورة التي حولت موقعها الجغرافي إلى مركز بحري عالمي.
وفي ضوء هذه التحولات، يتفق الفاعلون في قطاع النقل البحري على ضرورة إرساء سلطة بحرية وطنية موحدة تمتلك صلاحيات واضحة لتنسيق الجهود بين المؤسسات العامة والخاصة، وضمان تنفيذ الاستراتيجيات البحرية بكفاءة. فالمغرب، بما يملكه من موقع جغرافي فريد وبنيات تحتية مينائية من الطراز العالمي على رأسها ميناء طنجة المتوسط ورؤية ملكية طموحة، يتوفر على كل المقومات ليصبح فاعلاً محورياً في التجارة البحرية الإقليمية والدولية.

























