التحديات المناخية والإجتماعية ترخي بظلالها على المصايد مع توالي أيام رمضان

2
Jorgesys Html test

مع كل شهر رمضان، تتجدد النقاشات حول تموين الأسواق الوطنية بالمنتوجات البحرية، خاصة السمك السطحي الصغيرة، في ظل تطلعات قوية من السلطات لضمان توفير هذه المواد بأسعار مناسبة، تراعي القدرة الشرائية للمواطنين من ذوي الدخل المحدود، وتتيح في الوقت ذاته تنوعاً في العرض يحمي العملية التجارية من الممارسات غير القانونية أو المضرة بالسوق. غير أن هذه الإرادة المعلنة، كما يؤكد مهنيون في قطاع الصيد، تصطدم أحياناً بواقع الإنتاج الفعلي، خاصة خلال الأشهر الأولى من السنة، التي تميزها ظروف بحرية صعبة، ولا سيما شهري فبراير ومارس، اللذين يصادفان هذا العام الشهر الفضيل.

وقد أكد فاعلون مهنيون أن المهنيين يتفهمون حرص صناع القرار على تموين الأسواق، مشددين على أن هذه الرغبة مشتركة بينهم وبين السلطات، غير أن التطبيق الواقعي لهذا التوجه يتطلب اعتبارات دقيقة ومراعاة للطبيعة الموسمية للصيد، حتى لا يكون الخطاب مختلفاً عن الواقع الميداني. فشهري فبراير ومارس، وفق الخبرة المهنية المتراكمة، يُعرفان بقلة الإنتاج على مستوى الأسماك السطحية الصغيرة، حيث تؤثر مجموعة من العوامل البحرية والمناخية بشكل مباشر على توافر السمك. وقد أشار البحارة القدماء إلى هذا الواقع منذ عقود، وأطلقوا على شهر مارس مصطلح “مارسو فالصو”، في إشارة إلى التراجع الطبيعي في المصطادات خلال هذه الفترة الانتقالية بين الشتاء والربيع.

وتشير المصادر المهنية إلى أن الطقس المتقلب وتغير درجات حرارة المياه البحرية لهما تأثير بالغ على سلوك الأسماك، خصوصاً سمك السردين الذي يحتاج إلى مياه دافئة ومستقرة فيما تتسم درجة حرارة المياه في هذه المرحلة بالإنخفاظ في حدود 14 إلى 15 درجة مئوية ، في حين مياه السردين عادة ما تكون فوق 17 درجة مئوية. ومع تفاقم التغيرات المناخية في السنوات الأخيرة، أصبحت الأشهر الأولى من العام أكثر تحدياً بالنسبة للصيادين، إذ تشهد انكماشاً كبيراً في المصطادات، الأمر الذي يؤثر على الموانئ المغربية ويجعل السوق الوطنية تواجه نقصاً مؤقتاً في المعروض. وهذا الواقع مؤكد لدى مهنيي الأسماك بالجنوب، الذين اعتادوا على التكيف مع هذه الفترات منذ أواخر القرن الماضي، معتبرين أشهر يناير وفبراير ومارس فترة صعبة تتداخل فيها عوامل بحرية متعددة تؤدي إلى انخفاض حجم الصيد.

تتزامن هذه الظرفية الصعبة هذا العام مع شهر رمضان كما أن فترة الخروج من الراحة البيولوجية بالوسط والجنوب ، ما يزيد الضغوط على المصايد والأسواق على حد سواء. وتوضح المؤشرات أن الأسماك المتوفرة في هذه الفترة من إفتتاح الموسم  غالبا ما تكون صغيرة الحجم، ما يفرض على الصيادين في بعض الموانئ التخلي عن جزء من صيدهم احتراماً للمعايير البيولوجية، حيث أظهرت الدراسات العلمية أن هذه الأسماك، رغم صغر حجمها، قد بلغت مرحلة النضج البيولوجي، وتحملت سنوات الجفاف وارتفاع درجة حرارة البحر عبء التناسل والتكاثر. وهذا معطى آخر يثير الكثير من الجدل حول طريقة إحتساب الحجم التجاري . فيما وفي بعض الحالات، اضطرّت بعض المراكب لتوقيف نشاطها مؤقتاً لحماية توازن المصايد، فيما أغلقت السلطات بعض المناطق البحرية بالوسط والجنوب لحماية تركيز الأسماك الصغيرة ومنع استنزافها.

في هذا السياق، يرى الخبراء أن تقديم ضمانات مطلقة للمستهلك،  بشأن وفرة الأسماك السطحية خلال شهر مارس وقبله فبراير كان مجازفة  صعبة، إذ يرتبط العرض بعوامل طبيعية متغيرة، ما يتطلب وعياً من المستهلك بطبيعة العملية وتبعاتها المختلفة. وفي المقابل، يبرز الاحتياج إلى التفكير في حلول تسويقية مبتكرة، مثل توسيع قدرات التخزين والتجميد، وتطوير بنية تحتية قادرة على خلق توازن بين أوقات الوفرة وفترات الحاجة، ما يتيح استغلال الفائض لضمان استمرارية التموين وهو وعي أصبح يجد له نصيبا من التفكير لدى سلطات القرار في السنوات الآخيرة حيث أن السياسة المتبعة ماضية في توسيع دائرة وحدات التجميد لتغطية كل جهات المملكة ، خصوص وان رمضان ماض في الزحف نحو اللأشهر الأكثر تحديا في تدبير المصايد ، حيث أنه إبتداء من السنة القادمة فرمضان سيحل في فترة الراحة البيولوجية للأسماك السطحية الصغيرة ..

ووفق المعطيات المتوفرة فقد اتخذت الحكومة سلسلة من التدابير الاستباقية لضمان توافر الأسماك السطحية الصغيرة بالأسواق الوطنية خلال هذه المرحلة، وحرصت على استئناف نشاط أساطيل الصيد منذ منتصف فبراير بعد فترة راحة بيولوجية دامت نحو شهر ونصف لحماية فترة التكاثر وضمان النمو، ما ساهم في تعزيز الكميات المفرغة تدريجياً ورفع مستوى العرض في الأسواق رغم النقاش الدائر حول طبيعة العرض وحجمه التجاري. فعلى سبيل المثال، شهد سوق السمك الهراويين بالدار البيضاء، المزود الرئيس لحوالي 70% من الأسواق الوطنية، تدفق كميات قياسية من السمك السطحي، بما بين 300 و500 طن يومياً من السردين والأنشوبة وهو رقم غير طبيعي بالنظر لطبيعة الظرفية ويؤكد حجم المجهود الإستباقي ، فيما تم تقييد تصدير السردين المجمد لإعطاء الأولوية للسوق الداخلية، ما ساهم في ضبط الأسعار في مستويات معقولة.

وكما تم إطلاق مبادرة “الحوت بثمن معقول” في نسختها الثامنة كآلية عملية لتقريب المنتجات البحرية من المستهلكين وضمان أسعار مناسبة وتنويع العرض وتحفيز السوق بأزيد من 5000 طن من الأسماك ، حيث تشمل هذه السنة 47 مدينة وأكثر من 1100 نقطة بيع، بالإضافة إلى الأسواق الممتازة. وتتيح المبادرة بيع منتجات بحرية مجمدة بأسعار تتراوح بين 17 و80 درهماً حسب الأصناف، بينما يباع السردين المجمد بسعر 13 درهماً للكيلوغرام، ما يوفر بديلاً عملياً ويعزز العرض ويضمن القدرة الشرائية للأسر المغربية.

وتتجلى في هذه الإجراءات رؤية متكاملة للسلطات المعنية بالصيد البحري، تسعى إلى تحقيق الأمن الغذائي البحري، من خلال التوفيق بين الاستدامة البيئية وضمان تموين منتظم للأسواق الوطنية، مع متابعة دقيقة لتطورات الأسعار والوفرة، وتعزيز آليات المراقبة لمنع الممارسات المخالفة لقواعد المنافسة، بما يضمن استقرار السوق وحماية المستهلك. كما تعكس هذه الإجراءات إدراك الحكومة لتعقيدات الموسم الحالي، حيث يجمع المهنيون والسلطات على ضرورة العمل المشترك لضمان توازن السوق، مع حماية الموارد البحرية وصون المصايد للأجيال القادمة.

وبناء على المعطيات المذكور ، يظل شهر رمضان هذا العام اختباراً للتناغم بين الإنتاج الطبيعي والمجهود الإداري والسياسي لضمان تموين الأسواق، حيث يبرز دور السلطات في ضمان استمرارية العرض، ودور المهنيين في التعامل مع المتغيرات البيئية بحذر ومسؤولية، فيما يظل المستهلك شريكاً أساسياً في تفهم دينامية السوق الموسمية. وفي هذا التفاعل بين الطبيعة والتخطيط، تتجلى أهمية التفكير الإستراتيجي والإبتكار في التسويق والتخزين، لضمان أن يبقى السمك البحري متوفراً بشكل مستدام، بأسعار عادلة، ويفي بتطلعات جميع الفئات الإجتماعية، بما يحقق توازناً حقيقياً بين حماية الموارد البحرية واحتياجات المواطنين.

Jorgesys Html test

2 تعليق

  1. تم تخصيص لوحة استعراضية لاستراتيجية وضع العلامات لمنتجات البحر المغربية، حوت بلادي “حوت بلادي /  Moroccan seafood”، خلال الدورة السادسة للمعرض الدولي “أليوتيس”، الذي تم تنظيمه تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، من 01 إلى 05 فبراير 2023 بمدينة أڭادير وذلك لتقديم ومناقشة هذه الاستراتيجية مع زوار المعرض والمهنيين والمؤسسات الفاعلة في قطاع الصيد على الصعيد الوطني من جهة و كافة الزوار من جهة أخرى.
    http://houtbladi.mpm.gov.ma/ar/actualites/%D8%A5%D8%B7%D9%84%D8%A7%D9%82-%D8%AD%D9%85%D9%84%D8%A9-%D8%AA%D8%AD%D8%B3%D9%8A%D8%B3%D9%8A%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%B3%D8%B7-%D8%A7%D9%84%D8%B7%D8%A8%D9%8A-%D9%84%D9%84%D8%AA%D8%B1%D9%88%D9%8A%D8%AC-%D9%84%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D9%87%D9%84%D8%A7%D9%83-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%86%D8%AA%D8%AC%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%AD%D8%B1%D9%8A%D8%A9

أضف تعليقا

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا