في سياق التحولات المتسارعة التي يشهدها الاقتصاد البحري على الصعيد الدولي، تبرز تربية الأحياء المائية كأحد أبرز الركائز الواعدة ضمن منظومة الاقتصاد الأزرق، لما توفره من إمكانات حقيقية لتحقيق الأمن الغذائي وتعزيز التنمية المستدامة وخلق فرص شغل نوعية. وفي هذا الإطار، تندرج الزيارة الميدانية التي قام بها وفد يمثل جهة سوس ماسة يوم الأربعاء 29 أبريل 2026 إلى منشآت تربية الأحياء المائية التابعة للمعهد الجامعي ECOAQUA بجزر الكناري، والتي شكلت محطة مهمة للاطلاع على تجربة رائدة في توظيف البحث العلمي والإبتكار التكنولوجي لخدمة هذا القطاع الحيوي. حيث اطلع الوفد المغربي على مختلف التجهيزات التقنية والبنيات البحثية المعتمدة، إلى جانب مختلف مراحل الإنتاج والتجارب التطبيقية التي يشرف عليها المعهد، بما يعكس المستوى المتقدم الذي بلغته جزر الكناري في هذا المجال الحيوي.

وقد حظي الوفد باستقبال من كبار مسؤولي المعهد، حيث تم تقديم عروض مفصلة حول المشاريع الاستراتيجية التي يشرف عليها، والتي تعكس مستوى التقدم الذي بلغته جزر الكناري في مجال استغلال الموارد البحرية بشكل مستدام. ومن بين هذه المشاريع، يبرز مشروع “PLOCAN” الذي يعد منصة متقدمة للبحث والتجارب في البيئات البحرية العميقة، حيث يسهم في تطوير حلول مبتكرة لمواجهة تحديات الاستغلال البحري. كما تم تسليط الضوء على مشروع “PHAROS” الذي يركز على تكامل الأنشطة البحرية والمينائية في أفق تحقيق نجاعة اقتصادية وبيئية، إضافة إلى مشروع “AQUAWIND” الذي يمثل نموذجا طموحا لأنظمة بحرية مدمجة تجمع بين إنتاج الطاقة المتجددة من الرياح وتربية الأحياء المائية في إطار رؤية متكاملة للاستدامة.
وتعكس هذه المشاريع مجتمعة التحول النوعي الذي تعرفه جزر الكناري في اعتماد مقاربات علمية متقدمة لتعزيز مردودية القطاع البحري، وهو ما يجعل منها نموذجا يحتذى به بالنسبة لجهة سوس ماسة، التي تتوفر بدورها على مؤهلات طبيعية وبحرية هامة تؤهلها لتطوير تربية الأحياء المائية كرافعة اقتصادية استراتيجية. فالسواحل الممتدة، وتنوع الأنظمة البيئية البحرية، والقرب الجغرافي من الأسواق الأوروبية، كلها عوامل تمنح الجهة فرصا واعدة للاندماج بقوة في دينامية الاقتصاد الأزرق.
كما تكتسي هذه الزيارة أهمية خاصة من حيث فتح آفاق جديدة للتعاون المؤسساتي بين الجانبين، قائم على تبادل الخبرات ونقل التكنولوجيا وبناء القدرات المحلية، وهو ما من شأنه تسريع وتيرة تطوير هذا القطاع في جهة سوس ماسة. فتعزيز البحث العلمي التطبيقي، وتبني حلول مبتكرة في مجالات الإنتاج والتدبير البيئي، يعدان من الشروط الأساسية لضمان استدامة الموارد البحرية وتحقيق تنافسية اقتصادية عالية.
وفي ظل التحديات المرتبطة بالتغيرات المناخية والضغط المتزايد على الموارد الطبيعية، تزداد الحاجة إلى نماذج إنتاجية بديلة ومستدامة، وهو ما يجعل من تربية الأحياء المائية خيارا استراتيجيا لا محيد عنه. ومن هذا المنطلق، فإن الانفتاح على تجارب دولية ناجحة، مثل تجربة جزر الكناري، يشكل خطوة عملية نحو إرساء منظومة متكاملة قادرة على تحقيق التوازن بين التنمية الاقتصادية والحفاظ على البيئة. ولا يقتصر الرهان اليوم فقط على تطوير قدرات الإنتاج، بل يمتد ليشمل بناء رؤية شمولية للاقتصاد الأزرق، قوامها الابتكار والشراكة والتخطيط الاستراتيجي، بما يضمن لجهة سوس ماسة موقعا متقدما ضمن هذا القطاع الواعد، ويعزز مساهمتها في تحقيق تنمية مستدامة تعود بالنفع على الأجيال الحالية والمستقبلية.



























