كشفت حملات التقييم المباشر التي قام بها المعهد الوطني للبحث في الصيد البحري عن صورة مركبة لحالة مخزون الأربيان على طول الواجهتين المتوسطية والأطلسية خلال سنة 2025، صورة تجمع بين مؤشرات تحسن نسبي من جهة، وإشارات تستدعي اليقظة والتدبير الحذر من جهة أخرى.

وتبرز المعطيات الميدانية المستقاة من حملات التقييم المباشر، والتي اعتمدت بروتوكولات دقيقة تشمل أخذ عينات عشوائية، والجر بالشباك في أعماق تتراوح بين 20 و800 متر، وتحليل التركيبة النوعية والبيولوجية للمصطادات، (تبرز) أن الأربيان يظل مكونا محدود المساهمة في التركيب الكلي للمصطادات على الواجهة المتوسطية، بنسبة تقل عن 4 في المائة حيث يحتل المرتبة 12 والمرتبة 04 حسب الحملة المسحية . غير أن هذا المعطى الكمي يخفي دينامية نوعية مهمة، حيث يظهر الأربيان الوردي كأحد الأنواع الرئيسية، مع بلوغ مساهمته في بعض الفترات نحو 58 في المائة من إجمالي مصطادات القشريات، ما يعكس تموقعه كنوع محوري رغم محدودية كتلته الإجمالية.
وعلى مستوى التوزيع المجالي، تكشف الخرائط عن تباين واضح بين الفصول. ففي الشتاء، يتركز الأربيان الوردي في بؤر محدودة غالبا في مستويات بحرية أعمق بأعالي البحار، بينما يمتد خلال الصيف ليشمل مجالات أوسع، خاصة بالمناطق الساحلية، في سلوك يعكس هجرة موسمية نحو الشاطئ تزامنا مع فترات النمو والتكاثر. هذا التوسع الصيفي يقابله ارتفاع في الكثافة، ما يجعل هذه الفترة حساسة من زاوية الإستغلال، ويطرح تحدي التوفيق بين مردودية الصيد وحماية المخزون.
أما من حيث البنية الديمغرافية، فتظهر القياسات الحيوية توازنا نسبيا بين الأفراد الصغيرة والبالغة في بعض الفترات، مقابل هيمنة الأفراد البالغة في فترات أخرى، خاصة خلال الصيف. ويكتسي هذا المؤشر أهمية خاصة، إذ إن ارتفاع نسبة صغار الأفراد في المصطادات قد يعكس ضغطا مفرطا على المخزون ويهدد قدرته على التجدد، بينما يشير توازن الفئات العمرية إلى وضع أكثر استقرارا.
وعلى مستوى تطور الوفرة، تسجل السلسلة الزمنية لمؤشر الكتلة الحيوية للأربيان الوردي في المتوسط تحسنا خلال السنوات الثلاث الأخيرة 2023 و2024 و2025، رغم تسجيل تراجع نسبي في السنة الجارية يناهز 13 في المائة. هذه الدينامية توصف بغير المنتظمة، حيث تتخللها فترات ارتفاع وانخفاض، مع تسجيل ذروات متفرقة واتجاه عام للنمو منذ 2022، ما يعكس نظاما بيئيا متقلبا يتأثر بعوامل مناخية وبيئية، إضافة إلى ضغط الصيد. وهو ما يؤكدعلى أهمية المراقبة المستمرة والإدارة التكيفية للحفاظ على الموار .
إلى ذلك تبدو الصورة أكثر تعقيدا في الواجهة الأطلسية، فمساهمة الأربيان الوردي في إجمالي الأنواع تبقى محدودة ، حيث يحتل المرتبة الثانية في المنطقة A والمرتبة الخامس عشرة في المنطقة B ، وهو ما يدل على أن وجود في المصيد يبقى محدودا ، وذلك على الرغم من أن الأربيان الوردي يمثل نسبة 74 في المائة من إجمالي الأربيان المصطاد.
فالتوزيع الجغرافي للأربيان، خاصة الوردي منه، يمتد على طول الساحل الأطلسي من الشمال إلى الجنوب، مع تركيزات أوضح في مناطق محددة ترتبط بطبيعة القاع البحري والتيارات البحرية. وتظهر البيانات أن وفرة الأربيان تعرف تباينا موسميا، حيث تكون أعلى في بعض الفترات، خاصة في فبراير مقارنة بأكتوبر، مع تسجيل تركزات قوية في مناطق بعينها لاسيما بين الصويرة واكادير .
وتكشف التركيبة النوعية للمصطادات الأطلسية بدورها عن حضور متنوع للأنواع، حيث يبرز الأربيان الوردي ضمن قائمة الأنواع المهمة، إلى جانب أنواع أخرى من الأسماك والقشريات. غير أن مساهمته تظل متفاوتة حسب المناطق والأعماق، وهو ما يعكس تداخلا بيئيا معقدا يتطلب تدبيرا دقيقا يأخذ بعين الاعتبار خصوصيات كل مجال بحري.
ومن زاوية المؤشرات الإنتاجية، يبرز تطور المردودية نصف اليومية للأربيان الوردي في شمال الأطلسي مسارا تنازليا منذ بداية الألفية إلى حدود 2019، قبل أن يسجل تحسنا تدريجيا خلال السنوات الأخيرة. ويبلغ متوسط المردودية خلال حملات 2025 حوالي 1.81 كيلوغرام لكل 30 دقيقة جر، وهو مؤشر يوحي بانتعاش نسبي، لكنه لا يزال دون المستويات التاريخية المرتفعة، ما يعكس هشاشة التعافي.
ويضع تشخيص حالة المخزون الأطلسي في خانة الإستغلال المفرط، حيث تشير النماذج إلى أن الكتلة الحيوية الحالية لا تزال دون المستوى الكفيل بضمان توازن مستدام، رغم تسجيل تحسن طفيف في أعداد الأفراد. ويعزى هذا الوضع جزئيا إلى استمرار صيد الأفراد الصغيرة، ما يقيد قدرة المخزون على إعادة بناء نفسه بشكل طبيعي.
ويقدم التقرير في محصلته العامة صورة مزدوجة، مؤشرات إيجابية تدل على قدرة الأربيان على التعافي النسبي، تقابلها إختلالات بنيوية مرتبطة بضغط الصيد والتقلبات البيئية. هذه الوضعية تضع مسألة الحكامة المستدامة في صلب الرهان، من خلال تعزيز المراقبة العلمية، وتكييف فترات ومناطق الصيد، والحد من إستهداف الأحجام الصغيرة، بما يضمن إستمرارية هذا المورد الحيوي ويحافظ على توازن النظم البيئية البحرية.




























