عبد المالك فرج: الحكامة والتمويل والمعرفة مفاتيح نهوض الإقتصاد الأزرق بإفريقيا

3
Jorgesys Html test

في دعوة صريحة إلى الانتقال من مرحلة تشخيص الإمكانات إلى تفعيلها على أرض الواقع، أكد عبد المالك فرج، الخبير بالبنك الدولي، أن إفريقيا تمتلك اليوم كل المقومات التي تؤهلها لجعل الاقتصاد الأزرق رافعة استراتيجية لتحولها الاقتصادي، غير أن التحدي الحقيقي يكمن في القدرة على تحويل هذه الفرص إلى مشاريع ملموسة قادرة على خلق القيمة المضافة وفرص الشغل وتعزيز السيادة الاقتصادية للقارة.

وأوضح فرج، المدير العام السابق للمعهد الوطني للبحث في الصيد البحري، خلال مداخلة ألقاها صباح الأربعاء ضمن افتتاح الدورة الثالثة لـ“ندوة البحار الإفريقية” التي احتضنها مركز السياسات من أجل الجنوب الجديد بشلا، أن القارة الإفريقية تتوفر على إمكانيات بحرية هائلة بفضل اتساع مناطقها الاقتصادية البحرية، غير أن هذه المؤهلات ما تزال تعاني من ضعف التقييم والتثمين والاستغلال الأمثل، رغم توفر أدوات واستراتيجيات إفريقية واعدة في هذا المجال.

وأشار إلى أن إفريقيا لا تمثل سوى ما بين 10 و11 في المائة من الإنتاج العالمي للصيد البحري، بما يقارب 11 مليون طن سنويا، وهي نسبة اعتبرها ضعيفة مقارنة بحجم الإمكانيات البحرية المتاحة. كما كشف أن ما بين 30 و50 في المائة من المخزونات السمكية بالقارة لا يتم استغلالها، بحسب المناطق، مستشهدا ببعض الدول مثل الغابون التي تتوفر على مخزونات مهمة رغم تبنيها مقاربات متقدمة في الحفاظ على الموارد البحرية.

وشدد المتحدث على أن أي استراتيجية مرتبطة بالاقتصاد الأزرق يجب أن تنطلق أولا من معرفة دقيقة برأس المال الطبيعي المتوفر، وما يمكن إنتاجه فعليا دون الوقوع في سوء التقدير أو الاستنزاف. واعتبر أن ضعف مساهمة إفريقيا في الإنتاج البحري العالمي لا يعكس محدودية الإمكانات، بل يكشف عن هامش كبير للتطور والاستثمار، سواء على مستوى الصيد البحري أو تربية الأحياء المائية أو تثمين المناطق الساحلية.

وفي قراءته للسياق الدولي الراهن، أوضح فرج أن التحولات التي يعرفها العالم، من توترات جيوسياسية وإعادة تشكيل سلاسل القيمة العالمية وتغير طرق التجارة، تفتح أمام إفريقيا فرصة حقيقية لإعادة بناء نماذجها الاقتصادية انطلاقا من الاقتصاد الأزرق، باعتباره حجر الزاوية في التبادلات التجارية واللوجستية والسياحية للقارة. وأبرز أن أغلب المبادلات التجارية الإفريقية تمر عبر البحار، ما يجعل تطوير الممرات البحرية والسياحة الساحلية واستغلال المناطق الساحلية بشكل مستدام رهانا استراتيجيا لمستقبل القارة.

وأكد خبير المصايد،  أن الاقتصاد الأزرق لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد قطاع اقتصادي معزول، بل كرؤية بنيوية متكاملة تقوم على ترابط سلاسل القيمة بين الموانئ والنقل البحري والصيد البحري والصناعة والسياحة والخدمات. وأضاف أن غياب هذا التكامل المؤسساتي والاستراتيجي يظل من أبرز التحديات التي تواجه تنزيل السياسات المرتبطة بالاقتصاد الأزرق في إفريقيا.

وفي هذا السياق، حدد عبد المالك فرج ثلاثة محاور أساسية لإنجاح هذا التحول، أولها الحكامة، معتبرا أن المقاربات الحالية القائمة على التدبير القطاعي لم تعد كافية لتحقيق رؤية اقتصادية متكاملة. ودعا إلى الانتقال نحو حكامة توجيهية تركز على خلق فرص الشغل والقيمة المضافة وربط مختلف القطاعات البحرية ضمن رؤية موحدة ومتناغمة.

أما المحور الثاني فيتعلق بالتمويل، حيث أشار إلى وجود مفارقة حقيقية تتمثل في معاناة القطاعات المرتبطة بالاقتصاد الأزرق من صعوبة الولوج إلى التمويل، مقابل وجود مستثمرين ورؤوس أموال تبحث عن مشاريع واضحة وقابلة للاستثمار. وأكد أن الدول مطالبة بالتدخل لتقليص المخاطر المرتبطة بالاستثمار البحري، عبر توفير بيئة اقتصادية وتشريعية ملائمة، وتحفيز الأنشطة الناشئة والتقليدية على حد سواء.

وفي ما يخص المحور الثالث، المرتبط بالمعلومة والمعرفة، اعتبر الخبير بالبنك الدولي أن الإشكال لا يكمن في غياب البيانات بقدر ما يرتبط بضعف تحويلها إلى معرفة اقتصادية قابلة للاستثمار. وأوضح أن كثيرا من المعطيات العلمية تبقى حبيسة المؤسسات التي تجمعها، ولا تصل بالشكل الكافي إلى الفاعلين الاقتصاديين وحاملي المشاريع، ما يحد من فرص الاستثمار والابتكار.

وأكد أن تطوير البحث العلمي وتسهيل الولوج إلى المعطيات البحرية يشكلان مدخلا أساسيا لتحرير الطاقات الاستثمارية في القارة، داعيا إلى إشراك القطاع الخاص في إنتاج واستثمار المعرفة العلمية، على غرار ما هو معمول به في عدد من الدول المتقدمة، التي جعلت من البيانات العلمية ركيزة أساسية لتنمية الاقتصاد الأزرق.

وختم عبد المالك فرج مداخلته بالتأكيد على أن إفريقيا تتوفر على فرص حقيقية لبناء اقتصاد أزرق قوي ومستدام، غير أن تحقيق هذا الهدف يظل رهينا بإصلاحات عميقة تشمل الحكامة والتمويل وإتاحة المعرفة، بما يسمح بتحرير الإمكانات البحرية للقارة وتحويلها إلى محرك فعلي للتنمية الاقتصادية والاجتماعية.

Jorgesys Html test

3 تعليق

أضف تعليقا

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا