“ترافيرسيا”.. حكم الاستئناف يعيد الملف إلى “الموضوع” وصبري يتمسك بمسؤولية الإدارة

0
Jorgesys Html test

لم يضع القرار الصادر عن محكمة الاستئناف الإدارية بأكادير حدا للجدل المثار حول سفينة الصيد “ترافيرسيا” الراسية منذ أشهر بميناء أكادير وسط نزاع قضائي، بقدر ما أعاد الملف إلى نقطة أكثر حساسية تتجاوز الجانب المسطري الذي حسم فيه القضاء، لتطرح من جديد أسئلة جوهرية حول تدبير الإدارة لملفات الاستثمار في قطاع الصيد البحري، وحدود مسؤوليتها عندما تمنح التراخيص وتوافق على الوثائق التقنية قبل أن تعود لاحقا لتبدي تحفظات على المعطيات نفسها التي سبق أن اطلعت عليها وصادقت عليها.

وتعود تفاصيل القضية إلى اقتناء شركة “SESA TRADING SARL” رخصة تعويض سفينة الصيد الساحلي “ابن العربي”، قبل التقدم بطلب استبدالها بسفينة فولاذية إسبانية تحمل اسم “ترافيرسيا”. غير أن عملية الاستبدال كانت مشروطة باحترام المواصفات التقنية المحددة في رخصة السفينة الأصلية، خاصة ما يتعلق بالحمولة والمحرك. وبحسب المعطيات المتوفرة، فقد التزم المجهز بإجراء تعديلات تقنية على السفينة الإسبانية لجعلها مطابقة لمواصفات السفينة المعوضة، غير أن عمليات القياس التي أنجزتها اللجان المختصة التابعة لكتابة الدولة المكلفة بالصيد البحري تفيد أن الحمولة الحقيقية للسفينة تتجاوز الحدود المنصوص عليها في رخصة التعويض. حيث أن الإدارة صرحت أن حمولة السفينة تبلغ 188.80 طن فيما يتمسك المجهز بالحمولة الواردة في الترخيص المؤقت للإبحار تحت العلم المغربي الممنوح للسفينة من طرف ذات الإدارة، والذي يحدد حمولة السفينة في 125 طن .

وقد دفع هذا الخلاف بالمجهز إلى اللجوء  إلى القضاء الاستعجالي، حيث قضت المحكمة الابتدائية بأكادير بإلزام الإدارة بتسليم شهادة الحمولة وفق الأرقام التي طالب بها، مع فرض غرامة تهديدية عن كل يوم تأخير في التنفيذ. قبل أن تعود محكمة الإستئناف لتقضي بقبول إستئناف كتابة الدولة  شكلا وموضوعا، وألغت الحكم الإستعجالي الصادر ابتدائيا، معلنة عدم اختصاص قاضي المستعجلات للبت في الطلب، وهو ما يعني أن النزاع لم يحسم بعد في جوهره، بل انتقل إلى مرحلة أكثر عمقا ستناقش أصل الحق ومشروعية المواقف المتقابلة بين المستثمر والإدارة.

هذا المعطى هو ما يؤكد عليه كمال صبري ، المدير العام لشركة “SESA TRADING SARL” المستوردة لسفينة “TRAVESIA” التي تحمل ترقيم  OMI 9193367 ، الذي رحب بقرار المحكمة مؤكدا تقته التامة في القضاء ،حيث إعتبر  صبري قرار محكمة الاستئناف لا يمثل نهاية المعركة القضائية، وإنما مجرد محطة ضمن مسار تقاض ما يزال مفتوحا على مستويات أخرى أكثر أهمية. فبحسبه، فإن الحكم الابتدائي كان قد مكنه من الحصول على وثيقة يعتبرها أساسية في الملف، فيما ستتجه الأنظار الآن إلى قضاء الموضوع الذي سيبحث في الأسس القانونية والتقنية للنزاع بدل الإقتصار على الإجراءات الإستعجالية.

فجوهر القضية لا يتعلق فقط بأرقام الحمولة أو بتقارير الخبرة التقنية، بل بمبدأ قانوني وإداري يطرحه المستثمر بحدة، كيف يمكن للإدارة أن توافق على ملف تقني كامل، وأن تمنح ترخيصا مؤقتا للإبحار تحت العلم المغربي بعد دراسة الوثائق والتصاميم الهندسية وإجراء المعاينات اللازمة، ثم تعود لاحقا لتعتبر أن السفينة نفسها لا تستجيب للشروط المطلوبة؟

صبري يستند في دفاعه إلى مقتضيات المرسوم رقم 2.20.581 الصادر في 25 مارس 2021، والمتعلق بتطبيق بعض أحكام مدونة التجارة البحرية بشأن سفن الصيد البحري، وخاصة المادة الخامسة التي تنص على منح الرخصة المؤقتة للملاحة تحت العلم المغربي بعد دراسة الملف التقني والتأكد من استيفاء الشروط المرتبطة بهوية المالك وحق السفينة في حمل العلم المغربي وخصائصها التقنية، ومدى استجابتها لمتطلبات السلامة والملاحة والوقاية من التلوث. ومن هذا المنطلق يطرح الرجل سؤالا مباشرا، إذا كانت الإدارة قد اطلعت على جميع الوثائق التقنية والتصاميم الهندسية للسفينة، وإذا كان مهندسوها وخبراؤها قد عاينوا السفينة بإسبانيا قبل منح الترخيص المؤقت، فكيف يمكن اليوم مطالبة المستثمر بإجراء تعديلات تمس البنية الأساسية للسفينة، أو اعتبار خصائصها غير مطابقة بعد أن أصبحت تحمل العلم المغربي بقرار إداري رسمي؟

اللافت في تصريحاته أن الخلاف لم يعد يدور حول العنبر أو بعض التعديلات الداخلية التي يؤكد أنها أنجزت بالفعل وفق طلب الإدارة. فبحسب المعطيات التي يقدمها، تم تخفيض سعة العنبر من حوالي 59 طنا إلى ما يقارب 21 طنا، وهو الإجراء الذي يعترف الجميع بإنجازه وفق تعبيره. أما الإشكال المطروح حاليا فيرتبط بالحمولة الإجمالية للسفينة وبهيكلها الفولاذي الخارجي، وهو ما يعتبره أمرا غير قابل للنقاش من الناحية التقنية. فالرجل يصف فكرة تقليص هيكل السفينة أو المساس ببنيتها الأساسية بأنها “ضرب من الجنون”، لأن أي تدخل من هذا النوع، حسب تقديره، من شأنه أن يهدد توازن السفينة وسلامتها البحرية. ويشدد على أن الإصلاحات التي سبق أن التزم بها كانت تتعلق بالمحرك والتجهيزات الداخلية ومختلف المكونات التقنية القابلة للتعديل، وليس بالهيكل الذي يشكل جوهر تصميم السفينة وهويتها الهندسية.

الأكثر إثارة في هذا الملف أن السفينة لم تدخل المغرب في ظروف غامضة أو اعتمادا على معطيات مجهولة. فبحسب ما يؤكده صبري، فإن لجنة تقنية تضم مختصين تابعين للإدارة انتقلت إلى إسبانيا، وعاينت السفينة ميدانيا، واطلعت على تفاصيلها التقنية قبل اتخاذ قرار الترخيص لها بالإبحار نحو ميناء أكادير. وهو ما يدفعه إلى اعتبار أن الإدارة كان بإمكانها منذ البداية رفض الملف إذا كانت ترى أن خصائص السفينة لا تنسجم مع شروط التعويض المطلوبة، بدل السماح بإتمام المسطرة ثم العودة إلى نقطة الصفر بعد استكمال الاستثمار. وتكتسي هذه النقطة أهمية خاصة لأن السفينة لم تعد اليوم سفينة أجنبية، بل أصبحت سفينة حاملة للعلم المغربي، ما يجعل الإشكال المطروح، وفق منطق المستثمر، مسؤولية مشتركة ينبغي البحث لها عن حلول عملية بدل تحويلها إلى عقبة تعطل استثمارا قائما بالفعل.

كما يستحضر صبري بعدا دوليا في الملف من خلال الإشارة إلى الإتفاقيات البحرية الدولية التي صادق عليها المغرب والمتعلقة بقياس حمولة السفن، معتبرا أن شهادات الحمولة المعتمدة في بلد صناعة السفينة أو تسجيلها الأصلي يفترض أن تحظى بالإعتراف داخل الدول الأطراف في هذه الاتفاقيات، وهو ما يفتح باب النقاش حول مدى انسجام الممارسة الإدارية الوطنية مع الإلتزامات الدولية للمملكة في المجال البحري.

وفي خلفية هذا السجال القانوني والتقني تبرز قضية أكبر تتعلق بمناخ الإستثمار نفسه. فالمستثمر الذي اختار، بحسب روايته، إنجاز أشغال الإصلاح والتجهيز داخل الأوراش الوطنية بدل القيام بها في الخارج وما يترتب عن ذلك من تحويل للعملة الصعبة، يجد نفسه اليوم في مواجهة مسطرة معقدة تهدد جدوى المشروع برمته. وهي وضعية تعيد إلى الواجهة النقاش المتكرر حول تبسيط المساطر الإدارية ومدى قدرة المؤسسات العمومية على مواكبة الإستثمار المنتج، بدل تحويله إلى مسار مليء بالتعقيدات والتأويلات المتضاربة والنزاعات القضائية..

وبين قراءة الإدارة التي تتمسك بنتائج القياسات التقنية الحالية، وقراءة المستثمر الذي يعتبر أن الجهاز الوصي، صادق مسبقا على جميع المعطيات الأساسية للسفينة، يبقى الحسم الحقيقي مؤجلا إلى قضاء الموضوع، حيث سيكون على المحكمة أن تجيب عن السؤال الذي يشكل قلب هذا النزاع، هل يتعلق الأمر بخطأ في تقدير الإدارة منذ البداية، أم بمحاولة لفرض شروط جديدة بعد اكتمال مسطرة الترخيص والاستيراد؟ وهو السؤال الذي لن تحدد إجابته فقط مصير سفينة “ترافيرسيا”، بل قد ترسم أيضا حدود العلاقة بين المستثمر والإدارة في أحد القطاعات الاقتصادية الإسترتيجية بالمغرب.

Jorgesys Html test

أضف تعليقا

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا