مطالب برلمانية تستعجل تفعيل التعاقد لحماية بحارة الصيد الساحلي من الهشاشة

0
Jorgesys Html test

شكل موضوع تقنين العلاقة الشغلية بقطاع الصيد البحري محور سؤال برلماني بمجلس النواب، وجهته النائبة البرلمانية نادية بزندفة إلى كاتبة الدولة المكلفة بالصيد البحري، مسلطة الضوء على الإشكالات المرتبطة بتأطير العلاقة المهنية بين البحار ومجهز السفينة.

وأكدت النائبة أن قطاع الصيد البحري، رغم ما يكتسيه من أهمية اقتصادية واجتماعية بالغة، ما يزال يفتقر إلى إطار تعاقدي واضح وملزم ينظم العلاقة الشغلية بين البحارة ومجهزي السفن، حيث يظل الدفتر المهني الوسيلة الأساسية، بل الوحيدة في كثير من الحالات، لإثبات العمل، في غياب عقود تحدد الحقوق والواجبات بشكل صريح ومتوازن.

وأوضحت الفاعلة البرلمانية، أن هذا الوضع يطرح إشكالاً بنيوياً في تنظيم سوق الشغل البحري، إذ يضع آلاف البحارة في حالة من عدم الاستقرار المهني، ويجعلهم عرضة لمختلف مظاهر الهشاشة الإجتماعية والإقتصادية. كما يفتح الباب أمام إمكانية التخلي عنهم في أي وقت دون ضمانات قانونية كافية أو تعويضات مناسبة، وهو ما يتعارض مع مبادئ العمل اللائق داخل قطاع حيوي واستراتيجي.

وتساءلت نادية بزندفة عن أسباب استمرار الإعتماد على الدفتر المهني باعتباره الإطار الوحيد الذي يؤطر العلاقة الشغلية داخل القطاع، وعن مبررات التأخر في إقرار نظام تعاقدي واضح يضمن حقوق البحارة وينظم العلاقة بينهم وبين المجهزين. كما استفسرت النائبة عن الإجراءات المستعجلة التي تعتزم كتابة الدولة اتخاذها للحد من الهشاشة وعدم الاستقرار المهني في صفوف البحارة، وضمان حمايتهم من حالات التخلي المفاجئ، مع توفير حد أدنى من الاستقرار المهني والدخل.

وفي سياق متصل، احتضن مقر غرفة الصيد البحري الأطلسية الوسطى مؤخراً، لقاءً مهماً خُصص لمناقشة آليات تفعيل ورش التعاقد بقطاع الصيد الساحلي، بحضور محمد حمامو، مدير التكوين البحري ورجال البحر والإنقاذ. وخلال هذا اللقاء أكدت المديرية عزمها الشروع في تنزيل هذا الورش خلال فصل الصيف الجاري.

ويبدو أن التوجه الحالي يسير نحو التخلي عن الصيغة التي كانت مقترحة في وقت سابق، والاكتفاء بتوثيق النظام المعمول به حالياً على متن المراكب في إطار تعاقدي مكتوب وموثق، بما يعني تقنين الممارسات المهنية القائمة، وتحويل الأعراف المتداولة إلى التزامات تعاقدية واضحة تحفظ حقوق مختلف الأطراف.

ويأتي هذا التوجه بهدف تجاوز حالة الجمود التي طبعت هذا الورش خلال الفترة الماضية، خاصة أن المشروع السابق واجه معارضة واسعة من مختلف المكونات المهنية، التي عبرت عن رفضها لمضامينه من خلال مراسلات وجهت إلى الجهات الحكومية المختصة. وقد دفع ذلك إلى اعتماد مقاربة أكثر توافقية تقوم على توثيق نظام المحاصة المعمول به حالياً وما يرتبط به من حقوق والتزامات ضمن عقد يجمع بين المجهز والبحار.

ويعكس هذا التطور درجة من التفاعل الإيجابي مع مطالب الفاعلين المهنيين، حيث تم الاتفاق على إطلاق المرحلة التجريبية لهذا الورش انطلاقاً من دائرة نفوذ الغرفة الأطلسية الوسطى خلال شهر يوليوز المقبل. ويُرتقب أن تشكل هذه المرحلة فرصة لاختبار النموذج المقترح ميدانياً، ورصد مختلف الإكراهات العملية والعمل على معالجتها قبل الانتقال إلى مراحل أوسع من التعميم.

ويعبر الانتقال من الأعراف المهنية غير المكتوبة إلى التوثيق التعاقدي عن تحول مهم في مقاربة تنظيم العمل البحري. فقد أظهرت تجارب عدد من الدول المتوسطية والشمالية أن اعتماد نماذج تعاقدية واضحة، قائمة على الشفافية وتقاسم المسؤوليات، يسهم في الحد من النزاعات المهنية ويرفع في الوقت نفسه من المردودية الاجتماعية والاقتصادية للقطاع.

ومن هذا المنطلق، يبدو اعتماد مسار تدريجي لتفعيل العقد النموذجي خياراً عملياً وواقعياً، يبدأ بتجارب محدودة تخضع للتقييم المستمر قبل تعميمها، مع التفكير مستقبلاً في صيغ تنظيمية أكثر حكامة، من قبيل تطوير أنماط ملكية المراكب نحو أشكال مؤسساتية أكثر شفافية، بما يحد من تضارب المصالح ويعزز وضوح المسؤوليات، مع الاستفادة من تجربة عقود بحارة أعالي البحار وتكييفها مع خصوصيات الصيد الساحلي.

كما تبرز الحاجة إلى هذا التنظيم في ظل نزاعات متكررة ترتبط بالتسبيقات المالية التي تتحول في كثير من الأحيان إلى ديون مزمنة تثقل كاهل البحارة، فضلاً عن بعض الممارسات غير المؤطرة قانونياً، مثل تحميلهم مصاريف لا تدخل ضمن مسؤولياتهم أو تقييد حركيتهم المهنية. وفي هذا السياق، يصبح العقد أداة أساسية لتنظيم العلاقة المهنية وتحديد الالتزامات بشكل واضح، بما يحد من النزاعات ويفتح المجال أمام البحارة للاستفادة من القروض والسكن والخدمات الاجتماعية في إطار مؤسساتي منظم، الأمر الذي ينعكس إيجاباً على الاستقرار الاجتماعي والمهني داخل الموانئ.

وبالنظر إلى هذه المعطيات، لا يمكن فصل ورش التعاقد عن النقاش الأوسع المرتبط بمستقبل قطاع الصيد البحري، الذي يعد من أكثر القطاعات تأثراً بالإكراهات الاجتماعية والاقتصادية. فالحاجة إلى منظومة قانونية بحرية حديثة، قادرة على توحيد النصوص المتفرقة ومواكبة التحولات التي يعرفها القطاع، أصبحت أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.

ورغم ما أظهره قطاع الصيد البحري من قدرة على التكيف مع مختلف التحديات والأزمات، فإنه ما يزال يعتمد على يد عاملة تواجه أشكالاً متعددة من الهشاشة البنيوية. لذلك يشكل ورش التعاقد اختباراً حقيقياً لمدى جدية الإصلاحات المرتقبة، فإما أن يكون خطوة أولى نحو إعادة الاعتبار للعنصر البشري باعتباره ركيزة أساسية لاستدامة القطاع وتطويره، وإما أن يظل تجربة محدودة الأثر، في انتظار رؤية إصلاحية أشمل تمنحه الامتداد والفعالية اللازمين.

Jorgesys Html test

أضف تعليقا

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا