في يومها العالمي.. دعوة مفتوحة لمراجعة النظرة التقليدية للمحيطات

1
Jorgesys Html test

يحتفل العالم في الثامن من يونيو من كل عام، باليوم العالمي للمحيطات، مناسبة أممية تتجاوز بعدها البيئي لتطرح أسئلة جوهرية حول مستقبل الحياة على الأرض وعلاقة الإنسان بأحد أهم مصادر بقائه واستمراره. ويأتي احتفاء سنة 2026 تحت شعار «إعادة التخيّل»، في دعوة مفتوحة إلى مراجعة نظرتنا التقليدية للمحيطات وبناء علاقة جديدة معها تقوم على الحماية والاستدامة بدل الاستغلال والاستنزاف.

سلحفاة تسبح بين الشعاب المرجانية في مياه جزر ملديف.
من موقع news.un.org

وتكتسي هذه المناسبة أهمية خاصة بالنسبة للمغرب، البلد الذي يمتد شريطه الساحلي على واجهتين بحريتين تطلان على المحيط الأطلسي والبحر الأبيض المتوسط، ما يجعله من بين الدول الأكثر ارتباطا بالمجال البحري على المستويات البيئية والاقتصادية والاجتماعية. فالبحر ليس مجرد حدود جغرافية للمملكة، بل هو جزء من هويتها ومصدر أساسي لثرواتها وفرص تنميتها.

وتؤكد المعطيات العلمية أن المحيطات تغطي أكثر من 70 في المائة من مساحة كوكب الأرض، وتوفر ما لا يقل عن نصف الأكسجين الذي يتنفسه البشر، كما تحتضن أكبر خزان للتنوع البيولوجي على سطح المعمورة. وإلى جانب دورها الحيوي في الحفاظ على التوازن البيئي، تمثل المحيطات مصدرا رئيسيا للغذاء بالنسبة لأكثر من مليار شخص حول العالم، فضلا عن مساهمتها الكبيرة في الاقتصاد العالمي من خلال أنشطة الصيد والنقل البحري والسياحة والاقتصاد الأزرق.

وفي المغرب، تتجلى هذه الأهمية بشكل واضح من خلال المكانة التي يحتلها قطاع الصيد البحري والأنشطة المرتبطة به في دعم الاقتصاد الوطني وتوفير فرص الشغل وتحقيق الأمن الغذائي. كما يراهن المغرب بشكل متزايد على تطوير الاقتصاد الأزرق باعتباره أحد المحركات الواعدة للتنمية المستدامة، بما يشمل تثمين الموارد البحرية وتشجيع الابتكار في المجالات المرتبطة بالبحر وحماية النظم البيئية الساحلية.

غير أن المحيطات تواجه اليوم تحديات غير مسبوقة نتيجة الضغوط البشرية المتزايدة والتغيرات المناخية المتسارعة. فقد أظهرت التقارير الدولية أن نحو 90 في المائة من مخزونات الأسماك الكبيرة تعرضت للاستنزاف، فيما دُمّر نصف الشعاب المرجانية في العالم، وأصبحت النظم البحرية تعاني من التلوث والصيد الجائر وارتفاع درجات الحرارة وتحمض المياه. وتؤكد هذه المؤشرات أن البشرية أصبحت تستهلك من خيرات المحيط أكثر مما يستطيع تعويضه واستعادته.

وفي هذا السياق، يكتسب شعار «إعادة التخيّل» دلالة عميقة، إذ يدعو إلى تجاوز النظرة التي تعتبر المحيط مجرد مورد اقتصادي أو فضاء بعيد عن الحياة اليومية. فالحقيقة أن المحيط حاضر في كل تفاصيل حياتنا، من الهواء الذي نتنفسه إلى الغذاء الذي نستهلكه، ومن استقرار المناخ إلى استدامة الموارد الطبيعية. ومن ثم، فإن الحفاظ عليه لم يعد خيارا بيئيا فحسب، بل أصبح ضرورة وجودية تهم حاضر الإنسانية ومستقبلها.

كما تبرز أهمية المحيطات في قدرتها على التخفيف من آثار التغير المناخي، إذ تمتص ما يقارب 30 في المائة من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون الناتجة عن الأنشطة البشرية، ما يجعلها خط الدفاع الأول في مواجهة ظاهرة الاحتباس الحراري. وفي المقابل، فإن استمرار تدهور الأنظمة البحرية يهدد بفقدان هذا الدور الحيوي ويضاعف من حدة الاختلالات المناخية التي يشهدها العالم.

ويهدف اليوم العالمي للمحيطات إلى رفع مستوى الوعي بأهمية هذه الثروة الطبيعية المشتركة، وتحفيز الأفراد والمجتمعات والدول على الانخراط في جهود حمايتها. كما يشكل مناسبة لتعزيز التعاون الدولي من أجل تدبير مستدام للمحيطات يضمن حق الأجيال المقبلة في الاستفادة من مواردها وخدماتها البيئية.

وبالنسبة للمغرب، فإن الإحتفاء بهذا اليوم يمثل فرصة لتجديد الالتزام بحماية السواحل والموارد البحرية، وتعزيز ثقافة بيئية تجعل من البحر فضاء للتنمية المسؤولة لا للاستنزاف. فمستقبل المحيطات لم يعد شأنا يخص العلماء أو صناع القرار وحدهم، بل أصبح مسؤولية جماعية تتطلب وعيا مجتمعيا متزايدا وإجراءات عملية تضمن التوازن بين استثمار الثروات البحرية وصونها.

وفي عالم تتزايد فيه التحديات البيئية، يبقى الرهان الحقيقي اليوم هو الإنتقال من مجرد الإستفادة من المحيط إلى رعايته، ومن النظر إليه كمخزون لا ينضب إلى اعتباره شريكا أساسيا في استدامة الحياة. تلك هي الرسالة التي يحملها اليوم العالمي للمحيطات، وتلك أيضا هي الدعوة التي تهم المغرب كما تهم العالم بأسره: إعادة تخيّل علاقتنا بالبحر حتى يظل مصدرا للحياة والأمل والتنمية للأجيال القادمة.

Jorgesys Html test

تعليق 1

  1. Quand les pêcheurs deviennent les gardiens de l’océan.
    L’expérience a démontré que la cogestion *où les autorités et les pêcheurs élaborent et mettent en œuvre conjointement des mesures telles que les périodes de fermeture de la pêche, les limites de capture, la collecte de données, le suivi et l’application de la réglementation* est une solution viable pour préserver les ressources halieutiques sur le long terme.
    https://www.fao.org/fishery/news/41551/en?status=published

أضف تعليقا

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا