جوارب .. أرملة .. وحكايا بحر الداخلة

1
رمضان مصباح الإدريسي
رمضان مصباح الإدريسي

الكاتب: رمضان مصباح الإدريسي

هذا كل ما خلفه للوطن الربان خالد قادر، الذي اختار، بمدينة الداخلة، النار وطنا آخر؛ هروبا من إدارة متسلطة وفاسدة، كما تؤكد كل الوثائق التي خلفها وراءه.

إن لم يكن صادقا، يا رجال البحر الرسميين، فأخرجوه الآن من قبره واجلدوه، على غرار ما كان يجري به العمل في أزمنة الاستبداد السحيق.

وكفى بخالد مظلمة أن يرى النار أرحم.

أما الجوارب، أو ما في حكمها، فقد خلفها في ساحة تظلمه، بباب مندوبية الصيد؛ دليلا على أن مواطنا مر من هنا، ولم يكن يطلب أكثر من مسؤول إداري يستمع إلى شكاته، وشكاة من تشردوا معه من البحارة.

مسؤول إداري، من أولائك الذين تظلم منهم حتى جلالة الملك ـ وهو حامي ومقوم مؤسسات الدولة – فخاطب فيهم ضمائرهم، أو ما تبقى منها؛ عساهم يخففون الوطء على المواطن في جميع أحواله التي تعنيهم؛ وخصوصا حينما يكون صاحب حق مهضوم.

إن الملوك لا يتظلمون، وبيدهم الرباط والسلطان والسنان، كما نجد في كل سيرهم القديمة والحديثة؛ وحينما يصدر ما يتضمن هذا من ملك، في زمننا هذا، فهو يؤكد على تحول في معاني الملك الرادع، نحو تقوية المؤسسات حتى تؤدي كل أدوارها التي تعطي مدلولا للمواطنة. وهل كان المرحوم الحسن الثاني يشكو الإدارة إلى نواب الأمة؟

ويؤكد هذا أيضا أن الملك اختار أن يكون في بعض اشتغالاته، وإحساساته العفوية، كسائر المواطنين، حتى يشعر بما يشعرون به، ينشط لمنشطهم، وينتفض لمكرههم.

لعله من الممل جدا، حسب تقديري، أن يعيش الملك ملكا فقط، محروما من لذة المواطنة، الكامنة حتى في معاناة المواطنين.

مع الأسف لا يفكر مسؤولونا – من الوزير إلى كل تفاصيله المنبثة في الإدارة – بهذه الكيفية؛ بل عقب كل خطاب ملكي “ديداكتيكي” كما عبرت سابقا، ينتظرون دبابات الملك وطائراته ومشاته؛ فإن طال بهم الانتظار، ولم تظهر بادرة مما يخشون، يعودون إلى قواعدهم مطمئنين؛ وحالهم يقول مع الشاعر جرير:

زعم الفرزدق أن سيقتل معمرا **أبشر بطول سلامة يا معمر

وتتوالى حكايا الفساد في إدارتنا، في البر والبحر والجبل؛ ما جعل المواطنين يبدعون في وسائل الاحتجاج، وصولا إلى حرق الجسد الحامل لمواطنة لا قيمة ولا حق لها.

لا يا خالد لم تترك جوارب فقط؛ بل مواطَنَة عالقة بأظافرها في أعناق من ظلموك، ومن قصدتهم من مسؤولين دون أن ينصفوك. إن المواطنة كالروح، لا تحترق، ولا تذهب سُدى مع دخان النار، بل تتخذ لها مواقع في أزمنتنا وتاريخنا؛ تظل تسائل منها مؤسساتنا وقوانيننا، ووضعنا بين الأمم.

إن عصافير النار، هؤلاء، شكل جديد من أشكال المواطنة، لم يعرفه تاريخنا؛ وها نحن نعيشه واقعا مأساويا يؤكد أن شعار دولة المؤسسات لن يتحقق أبدا بالكيفية التي تدفع بها الخطب الملكية، وتؤسس لها القوانين المعتمدة؛ إذا تجذر الفهم الذي يتشبث به المفسدون: قوة المؤسسة في ضُعْفِ المواطن؛ ولتَتَسيد وتَثرى “طحن امو”؛ ووفر له كل التوابل ليحترق..

في الرسالة التي وجهها خالد قادر -عصفور النار الآخرـ لجلالة الملك، يقول رحمه الله:

“أنت أحن علينا من هذه التركيبة المؤسساتية الغامضة”.

أما الأرملة فقالت:

“سأبحث عن الملك حيث وجد”.

لاحظوا كيف انهارت كل مؤسسات الدولة في ذهن المواطن؛ ولم تعد أمامه غير كوة نور واحدة، يرى منها الملك، ولا أحد سواه ليمارس مواطنته، ويستجير من الاستبداد والظلم.

كيف وصلنا إلى هذا؟ ألا توجد سلطة في الداخلة، أختاه؟ ألا يوجد قضاء؟ ألا يوجد منتخبون؟

كل تفاصيل الدولة موجودة، لكن هذه المواطنة الأرملة، وقبلها الزوج المحترق، لم يجدا من يستمع إليهما؛ وكأنهما يطالبان بملكية بحر الداخلة، وما حمل.

لم يزد خالد، حسب رسائله وتقاريره، على قول الحقيقة، من وجهة معاينته ونظره:

– مركب صيد أحْرِق وغُرِّق عمدا، وفي هذا شروع في قتل البحارة، في عرض البحر.

– تصميم الشركة على تعديل تقرير الربان ليقول ما تريد قوله للتأمين.

– الإغراء، ثم التهديد بالقتل، حتى يتم التراجع عن المحتوى الأول للتقرير.

وما شئتم من مصائب، يمسك بعضها بتلابيب البعض؛ وفي كل هذا مستويات من التزوير، والتآمر والتجاهل والاحتقار والإفقار..

ورغم كل هذا يتوسم الرجل خيرا في الإدارة فيرحل إلى الرباط، ويوجه الملفات، ويعتصم ويصرخ ويستصرخ بدون فائدة..

ماذا بعد كل هذا؟ هل يحرق نفسه فقط؟ ها قد فعلها؛ وأقسم بحار آخر أن يفعل أكثر من فعلته إن لم يُمَكَّن من حقوقه.

ها هي المؤسسات المتسلطة والمنفلتة أفلحت في صنع الحسيمة المنتفضة؛ بدءا من داخل الفساد البحري..وكم يلزم من حلول لرأب الصدع وتهدئة الخواطر، بل وتكريم المواطنة، والحال أن ضبط الإدارة البحرية هناك كان أسهل وأقل كلفة؟.

وها هي المأساة تتكرر في الداخلة، ومرة أخرى جراء فساد من سكان البحر؛ وها هو خالد قادر يخلف وراءه كل حكايا البحر والإدارة، كاملة التوثيق، فهل ننصفه في احتراقه بعد أن تجاهلنا احتجاجه في حياته؟

لنعتبر كل هذا من محننا ومآسينا في الرقي بالإدارة المغربية، وَجْهِ الدولة العبوس؛ لكن عساها ترقى فعلا.

وعساها تخجل من مواطن برتبة ملك..

كفى بالمرء داء أن يرى الموت شافيا      وحسب المنايا أن يكن أمانيا (المتنبي)

لقراءة المقال: المصدر من هنا

تعليق 1

  1. لا حولا ولا قوة إلا بالله ، كرفسونا وكلين لينا الحقوق ديالنا الله ياخد فيهم الحق ما نكدبش عليكم انا انسان بالاولاد ديالي مقيم بمدينة الداخلة مند 20 سنة لحد الساعة لا اتوفر على السكن الالف البقع تتوزع على اصحاب النفود الزون (المواد المدعمة ) مكنستفدش منها بطاقة الرميد والو

أضف تعليقا