الأسماك السطحية الصغيرة في مفترق الطرق .. بين علمٍ يُنذر وسياسةٍ تُقرّر

1
Jorgesys Html test

في عالمٍ تتسارع فيه موجات التغير المناخي وتتعقد فيه معادلات الإنتاج البحري، لم يعد البحر مجرد مصدر رزق أو مجال استغلال اقتصادي، بل صار مرآة تعكس توازننا البيئي وصدق اختياراتنا التنموية. وهو ما أكدته  الندوة الدولية التي احتضنتها الرباط حول الأسماك السطحية الصغيرة .فهذه الندوة لم تكن لقاءً تقنيًا عابرًا، بل ناقوس إنذار يذكّرنا بأن البحر يتحدث بلغة الأرقام، ومن واجبنا أن نصغي جيدًا قبل أن يُبحر عن صمٍّ.

فالتحولات المناخية لم تعد فرضيات أكاديمية؛ إنها واقع يعيشه العاملون في الموانئ والمصانع. انخفاض الكميات المصطادة بنسبة قاربت الأربعين في المئة هذا العام، وصغر أحجام الأسماك، واضطراب المواسم البحرية، كلها مؤشرات على أن المنظومة البيئية فقدت اتزانها. لاسيما وأن السردين والأنشوفة والماكرو ليست مجرد أسماء لأنواع سمكية، بل هي عصب اقتصاد بحري يؤمّن آلاف فرص الشغل، ويغذي الصناعة الوطنية، ويدعم الاستقرار الاجتماعي في مدن الأطلسي والصحراء.

لقد أجمع العلماء المشاركون في الندوة على أن المناخ أصبح المتحكم الأول في المورد، وقدّم بعضهم نماذج تكنولوجية متقدمة لرصد حرارة البحر والتيارات والكتلة الحيوية. غير أن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه هو: هل نملك في المغرب الإرادة الحقيقية لتحويل هذا العلم إلى سياسة عمومية واضحة المعالم؟ فالمعطيات وحدها لا تنقذ الموارد، ما لم تتحول إلى قرارات شجاعة، قائمة على الشفافية والتوازن بين متطلبات الإنتاج ومقتضيات الاستدامة. والعلم أداة قوية، لكنه قد يتحول إلى مجرد زينة تقنية، إن لم تسنده حوكمة عادلة تنظم الولوج إلى الثروة وتوزع الجهد البحري على أسس من الإنصاف والمسؤولية.

فتجارب البرتغال وجنوب إفريقيا والبيرو تفتح أمامنا نوافذ للتفكير. فالبرتغال أنقذت سردينها حين تحالفت العلم مع الحكمة، فأغلقت مناطق كاملة لحماية المورد قبل أن تعيد فتحها بتدرج محسوب. أما جنوب إفريقيا فاعتمدت قاعدة ذهبية مفادها أن الحصص تتبع العلم لا السوق، فحافظت على توازن دقيق بين حماية المخزون واستمرار فرص العمل. في المقابل، تقدم البيرو مثالًا لما يجب تفاديه: الإفراط في الصيد، والاعتماد المفرط على دقيق السمك، وتهميش القيمة المضافة للاستهلاك البشري. هذه النماذج ليست بعيدة عن واقعنا، بل تضعنا أمام خيار واضح: أن نكون نموذجًا إفريقيًا في الصيد المستدام، أو نكرر أخطاء الآخرين بثوب جديد.

من الداخلة، حيث تتقاطع التيارات البحرية الكبرى وتُبنى أحلام الاقتصاد الأزرق، يدرك  أبناء الميدان حجم الرهان. فهذه المدينة التي أصبحت رمزًا للنشاط البحري والصناعي لا يمكن أن تظل رهينة التقلبات المناخية أو القرارات المتسرعة. فالحاجة ماسة اليوم إلى نظام وطني للرصد البيئي والمناخي للمصايد، وإلى توحيد أساليب جمع البيانات وتبادلها، وإلى جعل الحصص السمكية تتطور تبعًا لتقلبات البحر لا لتقلبات المكاتب. كما ينبغي أن يعاد  توجيه الإنتاج نحو الاستهلاك البشري المحلي، لأن القيمة المضافة الحقيقية لا تُقاس بالكميات المصدّرة، بل بعدد فرص العمل المحدثة وبمدى العدالة في توزيع عوائد الثروة البحرية.

فالمغرب يمتلك كل المقومات للريادة، موقع استثنائي، خبرة بشرية، بنية صناعية، وطاقات علمية مشهود لها بالكفاءة. لكن النجاح لا يتحقق بهذه العناصر وحدها، بل يحتاج إلى إرادة تُفعِّل، وعدالة تُنصف، ورؤية تُوحد. لا يمكن أن نبني مستقبلًا بحريًا مستدامًا ما لم يتقاسم الجميع — الدولة والباحثون والمقاولون والصيادون — البوصلة نفسها. فالعلم بلا ضمير، كما قال رابيليه، خراب للروح؛ والبحر بلا عدالة، خراب للرزق والمستقبل معًا. مع الإشارة أن الوقت ليس في صالح الفاعلين، وكل تأخير في الإصغاء إلى رسائل البحر يعني خسارة جديدة في المخزون، وفي فرص العمل، وفي التوازن البيئي. أمامنا فرصة تاريخية لبناء اقتصاد أزرق عادل ومستدام، شرط أن نتحرك اليوم قبل أن تسبقنا أمواج الغد. البحر لا ينتظر، لكنه يكافئ من يفهم لغته ويصغي لنبضه بوعي ومسؤولية.

مقال تحليلي تم إنجازه وبناءه على مقال لمحمد الزبدي الفاعل الإقتصادي في قطاع الصيد بالداخلة تم نشره في موقع  maghreb-intelligence.com

Jorgesys Html test

تعليق 1

  1. الأربعاء 15 أكتوبر 2025.
    ناقشت لجنة الشؤون الاقتصادية التقرير الإعلامي حول مستقبل حوكمة مصايد الأسماك الفرنسية دعماً للإدارة المشتركة لمواردها (المقرران ستيفان بوشو وداميان جيرار).
    المناقشات متاحة على بوابة الفيديو التابعة للجمعية الوطنية على العنوان التالي:
    https://www.assemblee-nationale.fr/dyn/17/organes/commissions-permanentes/affaires-economiques/actualites/l-avenir-de-la-gouvernance-de-la-peche-francaise-au-service-d-une-gestion-partagee-de-la-ressource-halieutique-presentation-du-rapport-d-information
    في لوريان، نائبان يُعيدان النظر في مستقبل صيد الأسماك
    في إطار مهمة تقصي الحقائق، زار النائبان داميان جيرار وستيفان بوشو ميناء كيرومان لصيد الأسماك في لوريان (موربيهان) يوم الأربعاء 16 يوليو/تموز 2025.
    حيث التقيا بعدد من خبراء صيد الأسماك.
    https://www.ouest-france.fr/bretagne/lorient-56100/a-lorient-deux-deputes-repensent-lavenir-de-la-peche-db8311f8-6260-11f0-b57a-27df1c69334c
    ا

أضف تعليقا

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا