بقلم عبد الخالق جيخ
في الوقت الذي تتجه فيه دول العالم نحو تشديد الرقابة على الثروات البحرية واعتماد التكنولوجيا الرقمية كآلية مركزية لمحاربة الصيد الجائر، يبرز الاتحاد الأوروبي مرة أخرى باعتباره أحد أكثر الفضاءات إصرارا على تحويل مراقبة قطاع الصيد من مجرد إجراءات إدارية تقليدية إلى منظومة رقمية متكاملة تقوم على التتبع الفوري والشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة. فقرار المجلس الأوروبي تحديث نظام مراقبة مصائد الأسماك لا يعكس فقط إرادة تنظيمية جديدة، بل يكشف عن تحول عميق في طريقة فهم الأمن الغذائي وحماية الموارد الطبيعية وربطهما بالسيادة الاقتصادية والاستدامة البيئية.

وتأتي هذه الخطوة الأوروبية في سياق دولي متوتر تتزايد فيه المخاوف من الاستنزاف المفرط للثروات السمكية، خاصة مع تنامي أنشطة الصيد غير القانوني وغير المصرح به، والذي أصبح يشكل تهديدا مباشرا للتوازنات البحرية وللاقتصادات الساحلية على حد سواء. لذلك لم يعد مقبولا، في نظر العديد من الحكومات، أن تظل مراقبة الصيد قائمة على التصريحات الورقية أو على آليات تقليدية يصعب التحقق من فعاليتها، بل أصبح الاتجاه العالمي يميل إلى اعتماد أنظمة ذكية قادرة على تتبع حركة السفن بشكل لحظي، وتوثيق كميات المصيد إلكترونيا، وربط مختلف حلقات سلسلة التوريد بمنصات رقمية موحدة.
ومن أبرز ما يلفت الانتباه في هذا التحديث الأوروبي هو الرهان الكبير على التكنولوجيا الساتلية وأنظمة الرصد الإلكتروني عن بعد، حيث سيتم تعميم تتبع سفن الصيد عبر أنظمة المراقبة الفضائية، مع إلزام المهنيين بتسجيل المصيد إلكترونيا، وهو ما يعني الانتقال من مرحلة الثقة التقديرية إلى مرحلة الرقابة الرقمية الدقيقة. كما أن اعتماد الكاميرات وأدوات المراقبة الذكية على متن السفن الكبيرة يعكس قناعة متزايدة بأن حماية الثروات البحرية لا يمكن أن تتحقق فقط عبر النصوص القانونية، بل تحتاج إلى أدوات تقنية تجعل خرق القانون مكلفا وصعبا.
ويبقى الأهم من ذلك أن الاتحاد الأوروبي لم يكتف بتشديد المراقبة التقنية، بل ربطها بمنظومة زجرية واضحة، تتضمن عقوبات إدارية وجنائية ضد المخالفين، مع توحيد قاعدة الانتهاكات الجسيمة وتحديد هوامش دقيقة للأخطاء في التصريح بالمصيد. وهي رسالة سياسية قوية مفادها أن التلاعب بالثروات البحرية لم يعد مجرد مخالفة مهنية بسيطة، بل أصبح قضية ترتبط بحماية الأمن الغذائي والاقتصادي والبيئي للقارة بأكملها.
وفي المقابل، يفرض هذا التحول الدولي على المغرب طرح أسئلة حقيقية حول واقع منظومة مراقبة الصيد البحري الوطنية، ومدى قدرتها على مواكبة هذا التسارع الرقمي الذي بات يحدد معايير الولوج إلى الأسواق العالمية. فالمملكة، باعتبارها بلدا بحريا بامتياز يمتلك واجهتين بحريتين وثروة سمكية استراتيجية، تجد نفسها اليوم أمام تحد مزدوج: حماية مواردها البحرية من الاستنزاف، والحفاظ في الوقت نفسه على تنافسية صادراتها البحرية في الأسواق الدولية التي أصبحت تشترط مستويات متقدمة من التتبع والشفافية.
ومما لا شك فيه أن المغرب راكم خلال السنوات الأخيرة تجارب مهمة في مجال تدبير قطاع الصيد البحري، سواء عبر مخططات التهيئة أو عبر تحديث البنيات التحتية للموانئ وأسواق السمك، غير أن التحولات الدولية الراهنة تفرض الانتقال إلى مرحلة أكثر جرأة في الرقمنة والمراقبة الذكية. فالمستقبل لم يعد للرقابة الموسمية أو للحملات الظرفية، بل للأنظمة الرقمية القادرة على تجميع المعطيات وتحليلها بشكل لحظي، والكشف المبكر عن التجاوزات، وضبط مسار المنتجات البحرية من لحظة اصطيادها إلى غاية وصولها إلى المستهلك.
كما أن هذا النقاش لا يرتبط فقط بحماية الثروة السمكية، بل يتجاوز ذلك إلى إعادة بناء الثقة في الاقتصاد البحري ككل. فحين يشعر المواطن بأن الدولة قادرة على حماية مواردها الطبيعية ومنع الاستغلال العشوائي لها، وحين يطمئن الشركاء الدوليون إلى شفافية سلاسل التوريد واحترام المعايير البيئية، فإن ذلك ينعكس مباشرة على صورة البلاد وعلى جاذبية قطاعها البحري واستثماراته.
إن ما يحدث في أوروبا اليوم يؤكد أن الرقمنة لم تعد ترفا إداريا أو خيارا تقنيا ثانويا، بل أصبحت جزءا من معركة السيادة على الموارد الطبيعية. والمغرب، الذي يطمح إلى تعزيز مكانته البحرية والاقتصادية إقليميا ودوليا، سيكون مطالبا أكثر من أي وقت مضى بتسريع وتيرة تحديث منظومة المراقبة البحرية، ليس فقط استجابة للتحولات الدولية، بل دفاعا عن ثروة وطنية تشكل ركيزة أساسية للأمن الغذائي والتنمية الاقتصادية للأجيال المقبلة.
عبد الخالق جيخ: فاعل كنفدرالي سابق مدون مهتم بشؤون الصيد البحري




























