أكد بدرالدين الرواص، أستاذ التعليم العالي والمتخصص في جغرافية الموانئ، أن صناعة السفن في المغرب تحولت من نشاط محدود الأثر إلى ورش استراتيجي يعكس توجهاً واضحاً نحو ترسيخ السيادة البحرية وتعزيز التنمية الساحلية، في سياق دولي يتسم بتسارع التحولات الجيوسياسية وإعادة تشكيل سلاسل الإمداد العالمية.

وأبرز الخبير في جغرافية الموانئ ضمن ورقة بحثية تداولها مجموعة من المواقع الصحفية، أن الموقع الجغرافي للمملكة، الممتد على واجهتين بحريتين متوسطية وأطلسية بطول ساحلي يقارب 3500 كيلومتر، إضافة إلى منطقة اقتصادية خالصة تناهز 1.2 مليون كيلومتر مربع، يمنحها مؤهلات طبيعية لتكون منصة بحرية قارية، شرط إرساء عرض مينائي متكامل، وأسطول وطني قوي، وصناعة بحرية قادرة على المنافسة.
وحسب الرواص فالمغرب قد راكم رصيداً تاريخياً مهماً في الملاحة وصناعة السفن منذ العصور القديمة، حين نشطت موانئه في التبادل التجاري مع الضفة الشمالية للمتوسط في عهد ملوك مثل ماسينيسا ويوبا الثاني، قبل أن تتطور “دور الصناعة” في مدن ساحلية خلال العهد الوسيط. غير أن التحولات الاقتصادية الدولية وتراجع الأسطول الوطني منذ تسعينيات القرن الماضي فرضا مراجعة عميقة لنموذج التطوير البحري، والانتقال من منطق التدبير الظرفي إلى رؤية صناعية مندمجة.
ويرى الأستاذ المتخصص أن المنعطف الحديث تجسد في إطلاق المخطط المديري لتطوير البنيات التحتية المينائية الخاصة بصناعة السفن في أفق 2030، باستثمار يناهز 4.5 مليار درهم، يهدف إلى تأهيل الأحواض الحالية وإحداث منشآت جديدة لإصلاح وبناء السفن وتفكيكها وصناعة المنصات البحرية. وتعزز هذا التوجه مع الخطاب الملكي في 6 نونبر 2023، الذي دعا إلى تنمية الشريط الأطلسي والارتقاء بالإقتصاد الأزرق، بإعتبار تطوير صناعة السفن وبناء أسطول وطني هدفين مترابطين يخدمان الإستقلالية الإقتصادية.

ويشكل ميناء الدار البيضا اليوم وفق أستاذ التعليم العالي، محور هذا التحول، بعد إطلاق مشروع حوض ضخم لصناعة السفن باستثمارات تناهز 2.5 مليار درهم، يروم استقطاب فاعلين دوليين لتشغيل أكبر حوض لبناء السفن في إفريقيا. وقد أبدت شركات عالمية اهتمامها بالمشروع، ما يعكس تنامي جاذبية المغرب كمركز صناعي بحري واعد، قادر على الاستفادة من موقعه الاستراتيجي الرابط بين أوروبا وإفريقيا وأمريكا.
وأكد الرواص أن الرؤية المغربية لا تقتصر على خدمات الإصلاح، بل تمتد إلى جعل المملكة قطباً مرجعياً لبناء السفن المتوسطة التي لا يتجاوز طولها 120 متراً، وتطوير صناعة المنصات البحرية الصغيرة، واستقطاب حصة وازنة من سوق إصلاح السفن الدولية. ويحمل هذا المشروع أبعاداً سيادية واضحة، من خلال تقليص التبعية للخارج في صيانة السفن، بما فيها ذات الطابع الاستراتيجي، وتوفير العملة الصعبة وخلق قيمة مضافة محلية.
ورغم التحديات، وعلى رأسها تراجع عدد مقاولات القطاع من 40 سنة 2000 إلى 10 فقط سنة 2022 بفعل ضعف الاستثمار وصعوبة مواكبة التحولات التكنولوجية، فإن المخطط الجديد، يراهن على رفع مناصب الشغل من 5500 إلى نحو 7900 منصب في أفق 2030، وزيادة مساهمة القطاع في الناتج الداخلي الإجمالي. وختم الرواص بالتأكيد على أن المغرب أمام فرصة تاريخية للانتقال من مجرد معبر تجاري إلى فاعل صناعي ولوجستي مؤثر في الحوضين المتوسطي والأطلسي، رهيناً بتعزيز التكوين، ونقل التكنولوجيا، وبناء شراكات دولية متوازنة تكرس السيادة البحرية الوطنية




























