يشهد ميناء المرسى بالعيون حالة استنفار ، تزامناً مع استعداد أسطول السردين لاستئناف نشاطه بالمصايد المحلية بعد توقف دام شهراً ونصف. غير أن العودة المرتقبة، التي كان يُفترض أن تحمل مؤشرات انتعاش اقتصادي طال انتظاره، جاءت هذه المرة على إيقاع توتر مهني واجتماعي متصاعد، عقب القرار الصادر عن كتابة الدولة المكلفة بالصيد البحري والقاضي بتقنين ومنع تصدير السردين المجمد لمدة عام كامل.

في هذا السياق، أصدرت الجمعية الوطنية لصناعات تجميد منتوجات البحر (ANICOM) بياناً شديد اللهجة أعلنت فيه عزمها خوض معركة نضالية مفتوحة وشاملة، معتبرة القرار إجراءً أحادياً ستكون له تداعيات مباشرة على النسيج الإقتصادي والإجتماعي بالمنطقة. وأكدت الجمعية أن قطاع تجميد السردين يمثل أحد أعمدة الإقتصاد المحلي بالأقاليم الجنوبية، حيث يساهم في توفير آلاف مناصب الشغل وتحريك الدورة الإقتصادية، مما يجعل أي اضطراب في سلاسله الإنتاجية والتجارية تهديداً مباشراً لإستقرار عدد كبير من الأسر.
الفاعلون المهنيون شددوا على أن مبرر تأمين السوق الداخلي لا يستند، وفق تقديرهم، إلى معطيات واقعية، مبرزين أن ميناء العيون ظل على مدى أكثر من ثلاثة عقود يزود السوق الوطنية باحتياجاتها بانتظام وكفاءة دون تسجيل اختلالات تُذكر. ويرون أن القرار جاء في ظرفية إقتصادية دقيقة تعيشها وحدات التجميد، المثقلة أصلاً بالإلتزامات البنكية وارتفاع تكاليف التشغيل، ما قد يدفع بعدد من الشركات إلى حافة الإفلاس، ويضع آلاف العاملين أمام خطر فقدان مورد رزقهم الوحيد، بما يحمله ذلك من انعكاسات اجتماعية مقلقة.
وانتقد البيان غياب المقاربة التشاركية في اتخاذ قرارات مصيرية تمس عمق الإستثمارات القائمة، معتبراً أن تجاهل إشراك الفاعلين الميدانيين يفاقم الإحساس بعدم الإستقرار ويقوض جهود التنمية التي بُذلت بالمنطقة خلال السنوات الماضية. وفي خطوة تصعيدية، أعلنت الجمعية إغلاقاً تاماً وغير محدد المدة لكافة وحدات ومعامل تجميد السمك بمدينة العيون، مع توقيف شامل لمنظومة العمل، كما دعت الشغيلة والنقابات إلى تنظيم وقفة إحتجاجية بميناء المرسى ابتداءً من اليوم الأحد، مع التلويح بأشكال نضالية أكثر حدة إذا لم يتم فتح حوار جاد ومسؤول.
وعلى المستوى التقني، طالبت الجمعية بإلغاء سندات خروج السردين الصناعي من مراكز الفرز وتعويضها بنظام تتبع خاص بالإستهلاك المحلي، بما يضمن شفافية أكبر في تدبير الكميات الموجهة للسوق الوطنية ويحمي مصالح المهنيين في الآن ذاته. واختتمت موقفها بتحميل وزارة الصيد البحري المسؤولية الكاملة عن أي تداعيات اجتماعية أو أمنية محتملة، مناشدة المنتخبين والفعاليات المدنية الإلتفاف حول القطاع والتدخل العاجل لتدارك الوضع.
وفي الأثناء، تتواصل داخل ميناء العيون التحضيرات الإدارية والتقنية وتجهيز المعدات وتدبير الأطقم البحرية استعداداً لانطلاق رحلات الصيد في منتصف الليل، في مشهد يختزل مفارقة المرحلة: بين أمل استعادة دينامية اقتصادية حيوية، وقلق متزايد من قرارات قد تعيد رسم ملامح القطاع برمته. ويبقى الرهان معلقاً على تغليب منطق الحوار والتوازن بما يضمن استدامة النشاط ويحفظ السلم الاجتماعي في منطقة يعوّل اقتصادها بشكل كبير على ثروتها البحرية.
وكانت كتابة الدولة المكلفة بالصيد البحري قد أكدت في بلاغ لها أن القرار المتعلق بتقييد تصدير السردين يعد إجراء موجها ومؤقتا، يندرج في إطار مقاربة ظرفية موجهة لتدبير القطاع، تتسم بالإستهداف والتناسب والإعتماد على معطيات موضوعية. وأكدت أن القارار يهم منتجات السردين المجمد والطازج والمبرد بهدف إعطاء الأولوية لتزويد السوق الداخلية. مبرة أن أثر منع تصدير سمك السردين لا يشمل أي نوع من الأصناف السمكية الأخرى وسيظل محدودا، كما سيساهم في تحسين تزويد السوق الوطنية فضلا عن تمكين إستغلال مستدام للثروة السمكية.
وأبرزت كتابة الدولة أن الوحدات الصناعية يمكنها مواصلة تحويل وتصدير باقي أصناف الأسماك السطحية الصغيرة بشكل عادي، ولا سيما الإسقمري و الشنشار، إضافة إلى باقي الأنواع المسموح بها وفقا للقوانين الجاري به العمل، كما أن هذا القرار لا يمس إطلاقا باستمرارية النشاط الصناعي ولا بسير سلاسل القيمة المتعلقة بغير سمك السردين.
و يُبرز تحليل صادرات صناعة تجميد الأسماك السطحية الصغيرة أيضا يفيد البلاغ ، حدوث تحول هيكلي عميق في رقم المعاملات عند التصدير، حيث انتقلت حصة السردين من صادرات الأسماك السطحية الصغيرة المجمّدة، من حيث القيمة، من 70 في المائة سنة 2020 إلى 23 في المائة فقط سنة 2025، ومن حيث الحجم من 72 في المائة إلى 24 في المائة خلال الفترة نفسها. وعلى العكس من ذلك، ارتفعت حصة باقي الأسماك السطحية الصغيرة في رقم المعاملات الإجمالي عند التصدير من 30 في المائة سنة 2020 إلى 77 في المائة سنة 2025.
وبخصوص سنة 2025، تتوزع بنية الصادرات من حيث القيمة ما بين الإسقمري بنسبة 46 في المائة والشنشار 23 في المائة، السردين 23 في المائة، ثم الأنشوفة والسردينيلا بنسبة 8 في المائة، وهو ما يعكس بوضوح التنويع الفعلي للعرض التصديري وقدرة النسيج الصناعي الوطني على التكيّف
وجددت كتابة الدولة المكلفة بالصيد البحري التزامها بنهج الحوار الدائم مع الهيئات المهنية، عن طريق الحوار والتشاور في إطار المسؤولية المشتركة، مع احترام التوازنات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية للقطاع وتكثيف الجهود لتلبية حاجيات الأسواق الوطنية من المتنجات السمكية.




























