بحّارة الصيد الساحلي وسؤال التعويض عن فقدان الشغل !

0
Jorgesys Html test

بقلم : عبد الخالق جيخ*

في النقاش العمومي حول أوضاع بحّارة الصيد الساحلي، يظل موضوع التعويض عن فقدان الشغل من أكثر القضايا حساسية، ليس فقط لما يطرحه من إشكالات قانونية، بل لما يعكسه من اختلالات بنيوية في تنظيم العلاقة الشغلية داخل قطاع حيوي وحساس. فمدونة الشغل، باعتبارها الإطار المرجعي المنظم لعقد الشغل، تنطلق من مبدأ أساسي مفاده أن هذا العقد ملزم للجانبين، يرتّب التزامات متقابلة على الأجير والمشغّل، سواء كان العقد محدد المدة أو غير محددها. غير أن تنزيل هذه المقتضيات في الواقع العملي لبحّارة الصيد الساحلي يكشف عن مسافة واضحة بين النص والتطبيق.

فعقود الشغل محددة المدة تنتهي بقوة القانون بحلول أجلها أو بانتهاء الشغل الذي أبرمت من أجله، بينما يظل عقد الشغل غير المحدد المدة قابلاً للإنهاء إما باتفاق الطرفين أو بإرادة منفردة، شريطة احترام أجل الإخطار. غير أن هذا الحق المخوّل للمشغّل لا يمكن ممارسته خارج الضوابط القانونية الصارمة، إذ إن الفصل دون إخطار أو تعويض لا يُقبل إلا في حالة الخطأ الجسيم، وهو استثناء محاط بمسطرة دقيقة تضمن حق الدفاع وتحفظ كرامة الأجير. وقد استقر الاجتهاد القضائي المغربي على أن أي إخلال بهذه المسطرة يجعل الفصل تعسفياً، ويترتب عنه التعويض، مهما كانت المبررات المعلنة.

في قطاع الصيد الساحلي، تتضاعف الإشكالية حين نضع هذه القواعد العامة في مواجهة واقع مهني تحكمه أعراف متراكمة، وتغيب عنه في كثير من الأحيان عقود العمل المكتوبة، رغم أن المغرب التزم، من خلال مصادقته على اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 188 وما رافقها من توصيات، بإرساء عقد عمل بحري واضح يحدد الحقوق والواجبات، ويضمن شروط العيش الكريم والسلامة المهنية للبحّارة. كما أن المقتضيات التنظيمية المتعلقة بإعادة توزيع المداخيل تهدف، من حيث المبدأ، إلى توفير حد أدنى من الاستقرار في دخل البحّار، غير أن فعاليتها تبقى رهينة بإطار تعاقدي سليم.

ويبرز الخلل بشكل أكثر حدّة عند الحديث عن الحماية الاجتماعية والتعويض عن فقدان الشغل. فالعلاقة القائمة اليوم بين بحّارة الصيد الساحلي والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي لا تقوم على أساس تعاقدي مباشر مع المشغّل الحقيقي، أي المجهّز، بل تمر عبر وسيط إداري يتمثل في وزارة الصيد البحري. هذا الوضع، وإن كان قد نشأ بدافع التنظيم، إلا أنه أفرز ضعفاً في تحمل المسؤولية، وغياباً للشفافية، وأربك منطق المحاسبة الاجتماعية الذي يفترض أن يربط بين الأجير ومشغّله بشكل مباشر.

والحال أن نظام التعويض عن فقدان الشغل في المغرب بُني على فلسفة واضحة، تقوم على حماية الأجير الذي يفقد عمله لأسباب خارجة عن إرادته، متى توفرت شروط محددة تتعلق بمدة الاشتراك والتصريح لدى الصندوق وإثبات توقف الدخل. هذه الشروط، من حيث المبدأ، لا تشترط دائماً عقداً مكتوباً، إذ يظل الإثبات متاحاً بجميع الوسائل، بما فيها الوثائق المهنية المعتمدة كدفتر البحّار. وفي عدد من موانئ الجنوب، خصوصاً جنوب أكادير، تتوافر فعلياً الشروط الموضوعية للاستفادة، غير أن الإشكال يكمن في غموض العلاقة القانونية بين الأطراف، وفي غياب تحديد صريح للمسؤولية.

عبد الخالق جيخ

من هنا، يبدو أن أي حديث جاد عن تمكين بحّارة الصيد الساحلي من حقهم في التعويض عن فقدان الشغل لا يمكن أن يستقيم دون إصلاح عميق لبنية العلاقة الشغلية. إصلاح يمر، بالضرورة، عبر إرساء عقد عمل بحري مكتوب وواضح، وربط المجهّز مباشرة بالصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، بما ينسجم مع منطق القانون وروح الالتزامات الدولية للمملكة. هذا التحول لا يخدم البحّار وحده، بل يحمي أيضاً المجهّز من النزاعات، ويعزز شفافية القطاع، ويفتح الباب أمام تدبير عقلاني لفترات التوقف المؤقت، بما فيها فترات الراحة البيولوجية.

إن تمكين البحّار من دخل بديل في فترات التوقف لا يشكل عبئاً على المنظومة، بقدر ما يعد استثماراً في الاستقرار الاجتماعي وحماية الثروة السمكية واستدامة القطاع. كما أنه يساهم في محاصرة التهرب وعدم التصريح، ويجعل البحّار شريكاً واعياً في تتبع وضعيته الاجتماعية والدفاع عن حقوقه. وبهذا المعنى، فإن إصلاح نظام التعويض عن فقدان الشغل في قطاع الصيد الساحلي ليس مطلباً فئوياً ضيقاً، بل خياراً استراتيجياً يحقق توازناً ضرورياً بين الحقوق الاجتماعية، والمصالح الاقتصادية، والالتزامات البيئية، في إطار دولة القانون والمؤسسات.

* عبد الخالق جيخ فاعل كنفدرالي سابق مدون مهتم بشؤون الصيد البحري 

Jorgesys Html test

أضف تعليقا

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا