وضع الكاتب العام لعمالة إقليم الدريوش شفيق حاسي ، مختلف الفاعلين والمتدخلين أمام صورة دقيقة للتحديات التي تواجه واحدا من أكثر القطاعات الحيوية بالإقليم ضمن مداخلة اتسمت بالوضوح والصراحة في تشخيص واقع قطاع الصيد البحري بالإقليم ، داعيا إلى الانتقال من مرحلة تدبير الإكراهات الظرفية إلى مرحلة بناء نموذج تنموي بحري متكامل، قادر على تحويل المؤهلات الطبيعية الهائلة التي تزخر بها سواحل الإقليم إلى قيمة اقتصادية واجتماعية حقيقية.

وجاءت هذه المداخلة خلال الاجتماع التشاوري الموسع الذي احتضنه مقر عمالة إقليم الدريوش يوم 18 يونيو 2026، بمبادرة من كتابة الدولة المكلفة بالصيد البحري في إطار تنزيل خارطة الطريق 2025-2027، بحضور وفد مركزي رفيع المستوى ومسؤولين جهويين وإقليميين ومهنيين ومنتخبين، حيث شكل اللقاء مناسبة للإنصات المباشر لانشغالات القطاع وبحث السبل الكفيلة بإطلاق دينامية جديدة للنهوض به.
ومنذ بداية عرضه، حرص الكاتب العام على التأكيد أن الحديث عن قطاع الصيد البحري بالدريوش لا يتعلق بمجال اقتصادي عادي، بل برهان تنموي حقيقي يمتلك كل المقومات التي تؤهله ليصبح أحد أعمدة الاقتصاد المحلي والجهوي. فالإقليم يتوفر على واجهة بحرية تمتد لأكثر من 75 كيلومترا وتغطي سبع جماعات ساحلية، كما يحتضن ثروة سمكية مهمة ومتنوعة ومجالا واعدا لتربية الأحياء المائية، فضلا عن رأسمال بشري متمرس يضم أزيد من 2080 بحارا يشتغلون على متن أكثر من 693 قاربا للصيد التقليدي، وهي مؤشرات تعكس الحجم الحقيقي للقطاع وأهميته الاستراتيجية.
غير أن الرسالة الأبرز في المداخلة تمثلت في التأكيد على أن وفرة المؤهلات وحدها لا تكفي لتحقيق التنمية المنشودة في ظل استمرار اختلالات بنيوية تعرقل تطور القطاع وتحد من مساهمته في خلق الثروة وفرص الشغل. وفي هذا السياق، قدم الكاتب العام ما يشبه خارطة دقيقة لأبرز الأعطاب التي تستوجب تدخلا عاجلا، واضعا في صدارة هذه الإشكالات غياب تمثيليات إدارية مستقلة للمؤسسات الأساسية المشرفة على القطاع بالإقليم.
واعتبر أن استمرار تبعية مصالح الصيد البحري والمكتب الوطني للصيد والوكالة الوطنية للموانئ لتمثيليات خارج الإقليم يخلق وضعا إداريا غير طبيعي يضاعف معاناة المهنيين، الذين يجدون أنفسهم مضطرين للتنقل بين الناظور والحسيمة لقضاء أبسط الإجراءات الإدارية، بما يترتب عن ذلك من هدر للوقت والجهد والموارد المالية، فضلا عن انعكاساته السلبية على عملية التأطير والمواكبة والمراقبة، وعلى انخراط فئات واسعة من العاملين في منظومة الحماية الاجتماعية التي تشكل أحد الأوراش الملكية الكبرى.
ولم يتردد الكاتب العام في دق ناقوس الخطر بشأن تنامي مظاهر العشوائية في تدبير النشاط البحري، مسجلا انتشار ما يزيد عن 29 نقطة تفريغ غير مهيكلة تشتغل خارج منظومة المراقبة الرسمية. واعتبر أن هذه الوضعية لا تمثل فقط إخلالا بشروط السلامة والنظافة والصحة البحرية، بل تفرز أيضا آثارا اقتصادية ومالية مباشرة تتمثل في صعوبة ضبط الكميات المصطادة والمعاملات التجارية، وما يرافق ذلك من ضياع لمداخيل جبائية مهمة كان من الممكن أن تعود بالنفع على الجماعات الترابية وتساهم في تمويل مشاريع التنمية المحلية.

كما سلط الكاتب العام الضوء على التحديات البيئية والأمنية التي باتت تفرض نفسها بقوة، من خلال استمرار بعض الممارسات المضرة بالثروة السمكية واستعمال وسائل صيد مدمرة للتوازنات الإيكولوجية البحرية، إلى جانب عدم احترام فترات الراحة البيولوجية، وهو ما يشكل تهديدا مباشرا لاستدامة الموارد البحرية ولحقوق الأجيال المقبلة. ولم يخف الكاتب العام وجود مخاوف مرتبطة باستغلال بعض الفضاءات الساحلية غير المنظمة في أنشطة غير قانونية، ما يجعل مسألة التنظيم والمراقبة أولوية ملحة.
وفي تشخيصه لواقع البنيات والتجهيزات، أكد أن الإقليم ما يزال يسجل خصاصا واضحا في عدد من المرافق الأساسية المرتبطة بشروط العمل والتسويق والتبريد والسلامة البحرية، خاصة بميناء سيدي احساين، معتبرا أن تعزيز هذه التجهيزات يشكل مدخلا أساسيا لتحسين مردودية القطاع ورفع تنافسيته. كما توقف عند الحاجة الملحة لتطوير التكوين البحري وتأهيل الكفاءات المحلية، بما يمكن الشباب من اكتساب مهارات مهنية حديثة تستجيب للتحولات المتسارعة التي يعرفها الاقتصاد الأزرق.
ولأن التشخيص وحده لا يكفي، فقد حرص الكاتب العام على استعراض حزمة من المبادرات والإجراءات التي باشرتها السلطة الإقليمية بشراكة مع مختلف المتدخلين، مؤكدا أن المرحلة المقبلة يجب أن تكون مرحلة إنجازات ملموسة. وفي هذا الإطار أعلن عن التزام السلطة الإقليمية بتوفير العقارات اللازمة لإحداث مرافق قطاعية جديدة، من بينها مقرات للمصالح المختصة ومشاريع مرتبطة بالمكتب الوطني للصيد، إلى جانب تخصيص وعاء عقاري لإنجاز سوق للجملة للأسماك، بما يساهم في تنظيم عمليات التسويق وتحقيق قيمة مضافة أكبر للمنتوجات البحرية.

كما كشف عن توجه عملي يروم الارتقاء بميناء سيدي احساين إلى ميناء للصيد البحري الساحلي مجهز بمختلف البنيات الضرورية، مع تسريع وتيرة إنجاز نقط التفريغ المبرمجة بإفوناسن وأحديد وإخراج مشروع نقطة تفريغ أولاد أمغار إلى حيز الوجود، فضلا عن دراسة إحداث معهد للتكوين في المهن البحرية وتمكين الإقليم من الاستفادة من البرامج الوطنية الخاصة بتربية الأحياء المائية.
واختتم الكاتب العام مداخلته برسالة قوية مفادها أن مستقبل قطاع الصيد البحري بالدريوش لن تصنعه الحلول الجزئية أو التدخلات الظرفية، بل رؤية مشتركة قائمة على الإلتزام والتنسيق وتحمل المسؤولية الجماعية. فالإقليم، كما أكد، يمتلك من المؤهلات ما يجعله مؤهلا لإحتلال موقع متقدم ضمن الأقطاب البحرية الصاعدة بالمملكة، غير أن بلوغ هذا الهدف يظل رهينا بإرساء حكامة فعالة، وتنظيم المجال البحري، وتأهيل البنيات الأساسية، وتمكين المهنيين من ظروف عمل أكثر استقرارا وكرامة، حتى تتحول الواجهة البحرية للدريوش إلى رافعة حقيقية للتنمية المستدامة، وفضاء منتج للثروة وفرص الشغل والإستثمار.




























