بقلم: عبد الخالق جيخ *
حين أكتب عن قطاع الصيد البحري، يراودني شعور بالغربة، كأنني أخاطب فراغًا لا صدى فيه إلا لأسئلتي المتكرّرة. أسمع صوتي وأنا أعيد قراءة كلماتي، وكأنني أعاتب نفسي، أو أبحث عن معنى بين السطور. فهل أنا ذاك المتشائم الذي لا يرى سوى العيوب؟ أم أنني أحاول، من حيث لا أدري، أن أُسهم في تصحيح المسار؟ أأنا ناقد ساخط أم فاعل حالم؟

ليس سرًّا أنني بحّار متقاعد. أتيت من عمق التجربة، لا من قاعات المحاضرات. كتفي مثقل بملح السنين، وذاكرتي خزان من الحكايات، لا من المفاهيم. ومع ذلك، لا أكتب اليوم من موقع الحنين، بل من موقع الواجب. فقد علّمني البحر الصبر، وعلمتني الحياة أن للصمت ثمنًا باهظًا.
لقد طرحت، ضمن مسارات الإصلاح الممكنة، تنزيل مدونة البحر، كإطار قانوني ينظّم العلاقة بين البحّار والمجهّز، علاقة تؤسس للحق لا للعرف، وللواجب لا للتجاوز. فكم من بحّار خرج من البحر مثقلًا بالديون، فاقدًا للكرامة، لمجرد أن القوانين لم تُفعَّل، أو أن الأعراف طغت على العدالة. اقترحت كذلك مشروع الوكالة الوطنية لتدبير والمحافظة على الثروة السمكية، لأن الحفاظ على المورد هو أساس كل تنمية مستدامة. الثروة السمكية ليست مجرد مصدر رزق، بل رأسمال وطني ينبغي حمايته من الاستنزاف والعبث.
ولأن الشفافية شرط لازم للعدالة، فقد دعوت إلى إحداث بورصة خاصة بالسمك السطحي، تضمن تسعيرًا عادلاً، وتحدّ من مظاهر الريع والاحتكار، كما تعالج حالات التنافي داخل منظومة تسويق السردين، حيث تضيع الحقوق بين تجاذبات المصالح وتضارب الأدوار.
وفي أفق أرحب، اقترحت مشروع المركب النموذجي، الذي يوفر ظروف عمل إنسانية تليق بالبحّار، من حضور آمن، ورعاية صحية، وتأمين اجتماعي. فكرامة الإنسان لا ينبغي أن تتآكل على ظهر المركب، تحت ذرائع السوق أو ضغط الربح.أما على مستوى الحكامة، فلا بد من إعادة هيكلة غرف الصيد البحري، وفق منطق الجهوية الموسعة، بما يُمكّن كل صنف من أصناف الصيد من مجلس تمثيلي، ينبثق عنه مكتب موحّد، يضمن فعالية القرار وتكامل الرؤى.
أعترف، أحيانًا، أنني أشعر بالعجز. من أنا لأتكلم بلغة الإصلاح؟ مجرد بحّار أنهكه الزمن، وتقاعده أوقفه على الهامش. لكنني، في المقابل، ابن هذا البحر. لا أكتب عنه من خلف زجاج المكاتب، بل من عمق الموج والعرق والتجربة. ولذا، حين أتكلم، لا أفعل ذلك طلبًا للبطولة، بل وفاءً لذاك الجزء العميق في ذاتي الذي صاغه البحر. فأنا لست ضدّ أحد. لكنني مع الإصلاح، مع الكرامة، مع أن يكون للبحّار صوت في السياسات التي تُرسم باسمه. فالقطاع الذي أعطانا كل شيء، يستحق أن نعطيه بعض ما تبقّى من أصواتنا.
*عبد الخالق جيخ : فاعل كنفدرالي سابق ومدون مهتم بالصيد البحري
























