عندما تنجح مبادرة الحوت بثمن معقول في القطع مع طبقيّة إستهلاك المنتوجات البحرية

0

تواصل مبادرة الحوت بثمن معقول فعالياتها بمختلف جهات المملكة ، وسط مطالب صريحة بالتخلص من  موسميتها والتوجه نحو تغطيتها لأيام السنة، في توجه يؤكد بالملموس نجاح مجهزي أعالي البحار، برفقة وزارة الصيد في كبح مجموعة من الممارسات، التي ظلت تجعل من رمضان شهرا للمغالات في الأثمنة ورفعها بشكل صاروخي.  ما يتسبب في عدم إقتراب الطبقات الوسطى ودوي الدخل المحدود والمعدوم من غالبية الأنواع السمكية. وهو ما يكرس مفهوما طبقيا حتى في إستهلاك المنتوجات البحرية .

فمع بزوغ فجر هذه المبادرة التي إنطلقت من الساحة المجانبة لأكادير أفلا  سنة 2019  تزامنا مع الشهر الفضيل، وكذا الحملة التي أطلقها نشطاء الوسائط الإجتماعية، من قبيل “خليه يخناز” أو “عندنا جوج بحورة ونشريو الحوت غالي” .. وغيرها من الهاشتاكات التي إعتلت التوندونس على مواقع التواصل الإجتماعي. إذ ومع إنطلاق المبادرة  أقول، بدت بوادر إيجابية يلتقطها المستهلك للمنتوجات البحرية، من خلال الأسماك المجمدة، حيث إقتنع أن الإشكالية لا ترتبط بالعرض، بقدر ما يتعلق الأمر بخلل على مستوى قناة التسويق. لاسيما وأن المستهلك وقف على أثمنة لم يتعودها في الأسواق المحلية، بل هناك من يسمع عنها لأول مرة. وهو ما يفسر إقبال المستهلك بإنتماءاته المجتمعية المختلفة، على شراء المنتوجات المجمدة، المعروضة ضمن المبادرة وبشراهة كبيرة، جعلت مبدعي المبادرة، يفكرون في العدول عن تسويق منتوجات بحرية، كانت تجد طريقها للخارج للإجابة عن العرض المتزايد للمستهلك المحلي حيث فاق العرض 3000 طن.

نفس الشيء ستسجله السنة الثانية للمبادرة،  لكن مع إستحضار أن هناك شركات وتجار متخصصين في المنتوجات البحرية المجمدة، هم زبناء لشركات الصيد في أعالي البحار، على طول السنة، ولايمكن الإضرار بمصالحهم بالمرة. حيث  تم إقرار أثمنة تستجيب لهامش الربح المعقول، من جهة، وكذا الرغبة الجامحة للمستهلك في التزود بالسمك وبأثمنة تفضيلية.  كما أن طريقة العرض ستتطور وستتحول من ساحة شبيهة بالسويقة تنعدم فيها أبسط شروط العرض، إلى فضاءات مهيئة ، موزعة على مجموعة من المدن المغربية. إذ أصبحت المبادرة  تميل نحو الهيكلة في التوزيع. كما أن أطراف أخرى دخلت على خط التنظيم، لاسيما  المصالح الخارجية لوزارة الصيد ومصالح وزارة الداخلية، وفق برنامج يبقى هدفه هو ضخ كميات مهمة من الأسماك المجمدة في السوق الوطنية، وضمان التوزيع والبيع بمختلف جهات المملكة . وهي الفكرة التي ستنضج بشكل أكبر في الدورة الثالثة، التي إعتمدت ازيد من 30 مركزا للبيع ، مع رفع شعار العالم القروي في صلب الإهتمام ، حيث ان المبادرة سخرت وسائل نقل تستجيب لشروط السلامة الصحية، من أجل إيصال الأسماك المجمدة لمجموعة من الأسواق الأسبوعية، بعدد من الجماعات القروية .

ومن خلال الكرونولوجيا التي قدمناها كشاهدين على إنطلاقة المبادرة، التي كان لنا شرف مواكبتها وتغطية فعالياتها منذ بداية التأسيس ،  يظهر جليا أن المبادرة ماضية في التطور سنة بعد سنة، بعد أن واكبها مهنيو الصيد الساحلي بإعلان أثمنة السردين بالموانئ وكذا في البيع الثاني ، ثم الصيد التقليدي من خلال تجربة حكيم فيش وتجارب مماثلة، ناهيك عن تفريخ المئات من المحلات المخصصة لبيع المنتوجات البحرية على المستوى الوطني ، وهو ما يتطلب مسايرة هذا التطور بإبداعات ومخرجات، تحمي المبادرة من الخروج عن سياقها الصحيح، حيث الرهان على الحوت بثمن معقول لإيصال الأسماك بسلاسة لبيوت المغاربة، لاسيما وأن المجهزين برفقة شركائهم في التنظيم، لما فكروا في إطلاق المبادرة ، وضعوا ضمن أسسها البيع المباشر للمستهك، من المصيدة إلى مائدة الإفطار، وهو توجه ليس من إختصاص المجهزين في عمومه، لأن من يبيع عادة هم التجار، وهي حقيقة إلتقطها المجهزون، الذين أصبحوا اليوم يفكرون بشكل جدي في إبتكار أليات جديدة،  تضمن الوساطة المتحكم فيها بين المجهز والمستهلك، وفق دفتر تحملات يبقى شرطه الأول، هو صيانة أثمنة المبادرة، تم ضمان التوزيع الجغرافي العادل على مستوى جهات ومدن وقرى ومداشر المغرب، وكذا التركيز على ظروف العرض بإعتماد فضاءات  تراعي شروط العرض السمكي من سلامة صحية، وجودة. وهو ما يفتح الباب أمام استثمارات جديدة، قد تحمل في ثناياهها أفكارا متجددة تدفع الشباب للإنخراط في المشاركة.

ومع هذا التوجه بدأت الجهات التي ظلت تحتكر المنتوجات البحرية، او التي لم تستسغ أننا بالفعل أمام مبادرة مبتكرة، عرّت الكثير من الممارسات التي ظلت تخل بتوازنات العرض والطلب، بدأت في الخروج عن صمتها مرة متهمة المبادرة بالسياسوية ، وأحيانا بكونها وسيلة لتهريب المنتوجات البحرية ومراكمة الثروة ، فيما ذهب آخرون إلى القول أنها أسماك مجمدة، ولا تستحق أن تكون على مائدة الإفطار. وهي كلها خرجات تتشبع في عمقها من ردود الأفعال الناجمة عن كون المبادرة،  قد نجحت في تحقيق كثير من أهدافها إلى حد بعيد، لاسيما على مستوى كبح الوسطاء، وقربت المغاربة من المنتوجات البحرية المختلفة، خصوصا وان المنظمون الذين إقترحوا 3000 طن في المبادرة الأولى، يتحدثون عن أزيد من 4000 طن من المنتوجات البحرية المجمدة التي تم بيعها في الدورة الثانية، فيما يؤكد المنظمون ان أغلبية زبناء هذه المبادرة هم من الطبقة الوسطى وكذا المحدودين الدخل.

لا نريد ان نخوض في الأثمنة المقترحة التي يمكن للمهتمين تحليلها في سياقات مختلفة من منظور العرض والطلب، لكن لا يمكن ان ينكر أحد ان المبادرة أصبحت تغري المجهزين ، بعد ان أصبحت السوق المغربية فضاء رحبا للتسويق، أمام تراجع أسواق تقليدية بفعل الأزمة الناجمة عن جائحة كوفيد 19، حيث لم ينكر منشطو هذه المبادرة من المجهزين، أن هناك أرباح لا بأس بها، لكن هذا لا يمكن أن ينسينا أن الأمر يتعلق بشركات منظمة تجعل من  تحقيق الأرباح أحد اولوياتها ضمن منظورها التجاري، كما تبحث لها عن موطئ قدم للتوزيع في السوق المحلية، بما يحمله هذا الرهان من إكراهات وتحديات فرضتها الجائحة، بعد إنكماش التصدير. لكن لايمكن ان ننكر على مبتكري المبادرة إجتهادهم النبيل، مع الإيمان الراسخ بكون المبادرة لا تزال في مهدها، ويمكن ان تقدم إشارات إيجابية، بخصوص معدل إستهلاك المنتوجات البحرية بالمغرب. لأن الرهان اليوم هو ان تنجح مبادرة الحوث بثمن معقول في القطع مع طبقية إستهلاك المنتوجات البحرية.

أضف تعليقا

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا