مشروع الصناديق البلاستيكية بين الطموح وتعثّر التنفيذ ‎!

0
Jorgesys Html test

بقلم: عبد الخالق جيخ 

تابعتُ باهتمام كبير اللقاء الذي جمع بين الأخوين الصديقين إد عبد المالك أحمد ومحمد أعضيض في ضيافة الإعلامي سعيد المنصور “صحفي البحر” في برنامج أليوتيك. كان اللقاء هادئاً متزناً كما عوّدنا ضيوفه، تميّز بحوار متحضر يعكس وعياً مهنياً ورصانة فكرية، وحرصاً على الإبتعاد عن الإنفعال رغم حساسية الموضوع وتشابك مصالحه. ومع ذلك، فإن ما يثير الانتباه هو الغياب شبه التام لتناول التجربة السابقة التي أُطلقت بإشارة ملكية سامية من جلالة الملك محمد السادس نصره الله، وهي التجربة التي شكّلت عند انطلاقها طموحاً إصلاحياً كبيراً يروم إعادة تنظيم عمليات تفريغ ومناولة وتسويق المنتوج البحري وفق معايير حديثة وشفافة، عبر تعميم استعمال مليوني صندوق بلاستيكي موحد.

لقد كان المشروع طموحاً في أهدافه ومرتكزاته، إذ خُصص له غلاف مالي قدره 163 مليون درهم، من أجل ضمان شفافية المعاملات، ومحاربة التبذير، وتحسين جودة المنتوج، وحماية الثروة البحرية من الهدر في مراحل التسويق الأولى. كان يُفترض أن يشكّل هذا الورش ثورة في طرق التدبير، ونقلة نوعية في تثمين الثروة السمكية بما ينسجم مع الرؤية الملكية الداعية إلى عقلنة استغلال الموارد وتحقيق التنمية المستدامة. غير أن التجربة لم تكتمل، وتعثرت في صمت، دون أن يُقدَّم للرأي العام تفسير مقنع لما آلت إليه الأمور، ودون تقييم مؤسساتي شجاع يُسائل المسؤوليات الإدارية والتقنية عن فشل مشروع وطني بهذه الرمزية.

عبد الخالق جيخ

حين يُطرح اليوم موضوع الصناديق المملوكة للتجار باعتباره مؤشراً على نجاح جديد، لا يمكن القفز على تجربة سابقة أُنفقت فيها أموال عمومية معتبرة. فالتاريخ الإداري لا يُكتب بالمحو بل بالاعتراف، والنجاح لا يُبنى على النسيان بل على النقد الصريح. إن تجاهل تلك المرحلة لا يخدم النقاش المهني، بل يكرّس ثقافة الإفلات من المساءلة، ويمنح الإدارة صك براءة من مسؤولية التقصير أو سوء التدبير. إن المكتب الوطني للصيد البحري، بصفته مؤسسة عمومية تسهر على قطاع حيوي، مطالب اليوم أكثر من أي وقت مضى بتقديم كشف حساب واضح حول ما تحقق فعلاً من أهداف المشروع الملكي، وما أُنجز منه ميدانياً، وما العوائق التي حالت دون بلوغ النتائج المرجوة.

إن تقييم التجارب السابقة واحد من الممارسات الديمقراطية، التي تعكس احترام المال العام وثقافة الحكامة. أما طمس الوقائع وتجنّب الخوض في الأسباب الحقيقية للفشل فهو خضوع غير معلن لإرادة من يسعون إلى طيّ صفحة الإخفاق دون محاسبة، وفي مقدمتهم بعض المسؤولين داخل المكتب الوطني للصيد الذين يفضلون إلقاء الكرة في ملعب المهنيين من مجهزين وتجار، ليبدو المشهد وكأن القطاع يسير بخطى ثابتة، بينما الحقيقة أن الأسئلة العميقة ما زالت معلقة.

ومن هنا فالنقاش حول إصلاح منظومة التسويق البحري لا يمكن الزج به في منطق تصفية حسابات، وإنما يحتاج لكثير من الوضوح والواقعية، التي لا يمكن أن تكتمل دون استحضار التجربة الملكية المؤجلة. لأن واقع الحال لا يحتاج إلى تجميل الصورة بقدر ما يحتاج إلى شجاعة الإعتراف، وإلى إرادة صادقة في بناء نموذج تدبير جديد، يضع مصلحة البحر والمهنيين والمستهلك فوق كل حساب إداري ضيق.

عبد الخالق جيخ فاعل كنفدرالي سابق مدون مهتم بشؤون الصيد البحري 

Jorgesys Html test

أضف تعليقا

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا