في خضم النقاش المتصاعد حول تنامي ظاهرة سرقة مراكب الصيد البحري واستعمالها في عمليات الهجرة السرية، برزت دعوة ملحة لإعادة النظر في العلاقة التي تربط بين المهنيين، وخصوصاً المجهزين، بفئة حراس المراكب، الذين ظلوا لعقود في الهامش رغم ما يبذلونه من جهود مضنية لحماية الممتلكات البحرية داخل الموانئ.

الهاشمي الميموني، ممثل غرفة الصيد البحري الأطلسية الشمالية عن قطاع الصيد بالجر بأسفي، دعا في تصريح خصّ به “البحرنيوز”، إلى ضرورة التوقف بجدية عند الأسباب الحقيقية لتفشي ظاهرة سرقة المراكب، واستغلالها في الهجرة غير النظامية، وهي ظاهرة دخيلة على المنظومة المهنية البحرية، وتتطلب حسب تعبيره “وقفة تأمل جماعية تُفضي إلى حلول واقعية ومستدامة”.
واعتبر الميموني أن معالجة هذا الوضع تتطلب بالضرورة إعادة الاعتبار لحراس المراكب، وتمكينهم من الظروف الاجتماعية والتنظيمية التي تليق بدورهم الحيوي في المنظومة، مؤكداً أن “هؤلاء الحراس لا يمكن اختزال دورهم في الحضور الشكلي أو الحراسة الليلية، بل إنهم خط الدفاع الأول عن المراكب، ويبذلون مجهودات جبارة في الخفاء لضمان أمنها وسلامتها”.
وجاءت هذه التصريحات في أعقاب لقاء تواصلي هام عُقد بميناء أسفي، جمع بين الفاعلين المهنيين ورجال الأمن المكلفين بحراسة الميناء وتأمين مرافقه، وخصص لمناقشة سبل تعزيز التعاون والتصدي للتهديدات الأمنية التي تستهدف قطاع الصيد، خصوصاً ما يتعلق بسرقة المراكب واستخدامها في الهجرة السرية. اللقاء شكل مناسبة لتعزيز ثقافة المسؤولية المشتركة، وترسيخ مبدأ الأمن التشاركي داخل الميناء.
وفي معرض حديثه عن سبل تعزيز الأمن داخل محيط الميناء، أكد الهاشمي الميموني أن تحقيق هذا الهدف لا يمكن أن يُناط بجهة واحدة، بل يستدعي تعبئة جماعية شاملة تنخرط فيها مختلف الأطراف المعنية، من سلطات أمنية وإدارية، ومهنيي قطاع الصيد، إلى جانب حراس المراكب، الذين يشكلون عنصراً محورياً في منظومة الحماية. وأبرز أن ترسيخ ثقافة الأمن التشاركي يمرّ بالضرورة عبر إرساء مناخ من الثقة المتبادلة، وتوفير الشروط الاجتماعية والمهنية الكفيلة بتمكين الفئات العاملة في الخفاء من أداء مهامها في ظروف تحفظ كرامتها وتعزز إحساسها بالمسؤولية والانتماء، وفي مقدمتها فئة حراس المراكب.
كما نوّه الميموني بالدور المحوري الذي تضطلع به الأجهزة الأمنية بميناء أسفي، قائلاً: “ما لمسناه من يقظة ميدانية وتعاون مسؤول من طرف رجال الأمن يعكس روحاً وطنية عالية، ويؤكد على جاهزية هذه الأجهزة لحماية الأرواح والممتلكات البحرية في مختلف الظروف”.

واختُتم اللقاء بتقديم باقة من الزهور لعناصر الأمن الوطني العاملين بميناء أسفي، تعبيراً عن التقدير الصادق والعرفان بالجميل لما يبذلونه من مجهودات متواصلة في سبيل حماية الأرواح والممتلكات، وضمان الأمن والاستقرار داخل محيط الميناء.
وحملت هذه المبادرة في جوهرها رسالة قوية تعكس التحول الإيجابي في وعي الفاعلين المهنيين بأهمية الاعتراف بالأدوار الحيوية التي تضطلع بها مختلف الجهات المتدخلة في تدبير الشأن البحري، وفي مقدمتها المؤسسات الأمنية. كما أنها تُجسد إرادة جماعية في ترسيخ ثقافة الشراكة والمسؤولية المشتركة، بعيداً عن منطق التقاطعات الظرفية، بما يفتح آفاقاً جديدة لتعزيز الثقة والتعاون بين المهنيين والإدارات المعنية.
ويُعتبر هذا الشكل الرمزي من الاعتراف خطوة أولى في مسار ردّ الاعتبار لفئات كانت تُنظر إليها في السابق كجزء غير مرئي من المنظومة، سواء تعلّق الأمر بالأمنيين أو بحراس المراكب، الذين يتقاطع دورهم في حماية الرأسمال البحري الوطني. كما أن هذه الالتفاتة تُعبّر عن وعي متنامٍ بضرورة بناء علاقة أكثر إنصافاً وتوازناً بين مختلف الفاعلين، قوامها الاحترام المتبادل، والتقدير المهني، والعمل المشترك من أجل بيئة مهنية آمنة، تُعلي من قيمة الإنسان داخل الميناء، وتُعيد ترتيب الأولويات وفق منطق الإنصاف والمسؤولية.




























