أهل البحر: خبز مغموس في الخطر

0
Jorgesys Html test
1 صيد بحريبين البحر وأهله قصة عشق قديمة، فالذين عاشوا على شواطئ وسواحل البحار ارتبطوا بالبحر ارتباطاً وثيقاً، حيث كانت هذه الشواطئ في الماضي ولا تزال مصادر رزق وتجارة ونوافذ تواصل واتصال.
لكن مع تغير الأزمان تحولت مظاهر تلك الحياة إلى مجرد ذكريات وصور يستعيدها عشاق البحر وأهله بكثير من (الحب)، بينما بقيت هناك قلة ما زالت تعيش في بيوت خشبية أو مراكب وكأنها تعاند الزمن برغم صعوبات الحياة التي يواجهونها.

أهوال البحر

أما فهد يعقوب كان مغرماً هو وشقيقه خالد بالبحر، حيث يقضيان الأيام بعيداً عن البيت وأحياناً يتنقلان بين الجزر وهذه من أسباب عدم زواجه حتى الآن وهو في عمر 32 سنة يحدثنا ويقول: لم أكن أنا وشقيقي نعير اهتماماً لكلام والدتي وخوفها علينا من غدر البحر حتى جاءت حادثة وفاة شقيقي لتبعدني نهائياً عن البحر ولا أفكر العودة إليه.. في إحدى المرات ذهب شقيقي خالد برفقة صديقين معه في رحلة بحر للحداق ولم يعد حينها فأبلغنا الجهات المعنية وخفر السواحل ولكن دون جدوى حتى قرأت في الصحف بعد نحو خمسة أيام خبر عن غرق شباب فكان هو أحدهم، حيث اصطدم المركب  (الطراد) وقضوا حتفهم بحادث لم يكن في الحسبان.

لقد ارتبطت الحياة الاجتماعية للساحل الغربي للخليج العربي قبل اكتشاف النفط بالبحر، وكان أهمها الغوص وصيد اللؤلؤ. والواقع أن لؤلؤ الخليج العربي يتمتع بشهرة واسعة لكونه من أجود أنواع اللؤلؤ في العالم، وقد كان مشهوراً بذلك منذ أقدم العصور.. وكان تجار الجزيرة العربية يغوصون بحثاً عن هذا اللؤلؤ، وقد كونوا ثروات طائلة من ذلك. وكانت الكويت وجزيرة دلما مراكز تجارة اللؤلؤ في الخليج العربي. وشهدت هذه الحرفة في الكويت ازدهاراً ولا سيما في عام 1912م، ففي ذلك العام بلغ عدد سفن الغوص 812 سفينة وبلغ الدخل ستة ملايين روبية، كذلك اشتهرت مهنة الغوص في معظم مدن الخليج كالإمارات والبجرين وقطر، وعرف الخليج في تلك الفترة مهناً بحرية  عديدة منها:

النواخذة: هم ربابنة مراكب الغوص والعارفون أسرار المهنة، وخاصة أماكن الغوص،

البحارة: وتضم الغواصين والسيوب والرضف وهم الذين يقومون متناوبين على صيد اللؤلؤ، فالغواصون لصيد اللؤلؤ، والسيوب يساعدونهم بسحبهم من الماء، والرضف يساعدون السيوب في أعمالهم.

أما التبابين: فهم الشبان الذين يرافقون المراكب لتعلم الحرفة والقيام ببعض الخدمات.

وهناك مهنة الطواش: الذي يتنقل في المراكب الصغيرة لشراء وبيع منتجات البحر من اللؤلؤ الثمين، وهناك مهنة الصيد التي عرفها البشر منذ قديم الزمان، ويظل زمن الغوص الذي امتد لمئات السنين شاهداً على قسوة الحياة في الخليج قبل النفط، حيث  انتهت هذه المهنة في أوائل الثلاثينيات من القرن العشرين.

سكان القوارب

وفي مصر تعيش أسر كثيرة في قوارب في النيل. عشرات الأسر تعيش في مياه النيل بجوار كوبري الجلاء بحي الدقي منذ عشرين عاماً؛ فهذا الكوبري كما شهد أحداثاً تاريخية شهد شخوصاً عاشوا وماتوا يحتمون به من شظف العيش وقت الحر والبرد الشديدين، نحاول أن ننقل معاناة أسر «سكان القوارب» من خلال هذه الأسرة التي تعتبر شاهدة على المعاناة؛ فعنها خرجت أسرٌ  ثلاثة وتزوجت الابنة الكبرى وسط البحر ولحقت ابنة الخال بفالوكة «سفينة» أخرى صغيرة بجوار هذه الأسرة التي تبحث عن الحياة فلم تجدها إلا بجوار الأسرة التي عاشت في كنفها لتقاسمهم إياها، فإلى نص «المعاناة».

 تقول فوقية فرج 54 عاماً: استقرت الأسرة في هذا المكان منذ ما يزيد على عشرين عاما؛ فلم نكن مسيرين في اختيار المكان بجوار كوبري الجلاء بحي الدقي بمياه نيل القاهرة ولا باختيار الوظيفة «الصيد» على باب الله وإنما كنا مجبرين؛ حاولنا البحث عن مأوى وعمل ولم يكن أمامنا سوى البحر بوسعه عندما ضاقت بنا الأرض بما رحبت.

 حياتنا كما ترى.. نعيش على الكفاف ونعيش اليوم بيومه، نخرج في الصباح لصيد السمك ونأخذ هذه «الرزقة» لنعيش منها باقي اليوم، فليس لنا مصدر للعيش غير ما تجنيه يدانا؛ لا نُمد أيدينا إلا لله ثم هذا البحر الذي لا يبخل علينا، فالرزق والأجل محددان عند الله. نخرج في الصباح الباكر عند بزوغ الفجر لصيد الأسماك التي قلت كثيراً في مياه النيل بعدما تراجعت هيئة الثروة السمكية عند إلقاء «الذريعة» السمك الصغير بالنيل؛ فاليوم كله لا نصطاد فيه أكثر من كيلو سمك واحد، يكفينا فقط لوجبة الغذاء وربما لا نجد ما يسد رمقنا في العشاء.

وتقول الحاجة فوقية إن الأسرة لا تتلقى علاجاً أو رعاية صحية لأنها حبيسة البحر، فاليوم الذي نخرج فيه لتلقي العلاج بأحد المستشفيات لا نجد ما نسد به رمقنا نظراً لشظف العيش وقلة القوت؛ وبالتالي لا نخرج إلى «الأرض» إلا إذا ساءت حالة مرضانا ولم يكن هناك بديل غير توقيع الكشف الطبي أو إجراء جراحة عاجلة فنركب الأرض لأقرب مستشفى بعدها نعاود الرجوع إلى البحر.

لا تتعدى مساحة المركب الصغير ثلاثة أمتار تعيش فيها الأسرة بكاملها تأكل وتشرب وتنام وتنال غرضاً من الدنيا فحياتها حبيسة في هذا المركب؛ لا يستطيع أحدهم أن يقضي حاجاته إلا في عرض البحر بعيداً عن عيون الناظرين.

وقسوة هذه الحياة تبدو لهؤلاء عندما ينظرون إلى الحي الذي ترسو فيه مراكبهم «حي الدقي» الذي يعد من أفخر الأحياء بالقاهرة فتبدو فيه البنايات الشاهقة التي لم تكن مقامة عندما استقروا بهذا المكان ولم يكن قد شيد فندق شيراتون القاهرة بمبناه الشاهق. وتختم فوقية كلامها، بأنها تفتقد كل الخدمات ولم ينلها نصيباً من الرعاية الصحية ولا غيرها؛ سوى أن شرطة المسطحات المائية توقع عليها بين الوقت والآخر بعض الجزاءات والغرامات فلا هي قدمت خدماتها ولا هي تركتهم يأكلون من سمك البحر.

حياة الأرض والبحر

ويقول حمادة محمد السيد مراكبي يبلغ من العمر 19 عاماً: ولدت بين أحضان البحر فخرجت إلى الدنيا لا أعلم عنها شيئاً سوى ما تعلمته في حياتي بين أحضانه التي احتوتنا عندما لفظنا الناس على الأرض فاتخذنا البحر مرتعاً.

يضيف حمادة، حياتنا في البحر تختلف عن حياة البشر على الأرض؛ تعلمنا من البحر صفاءه ونقاءه وغضبه أيضاً فلا نرضى بالظلم ولا نقبله فليس لدينا ما نبكي عليه كما لأهل الأرض، كل أمنياتنا أن نعيش على الأرض وأن يكون لنا منزل متواضع يحمينا بدلا من البحر.

وعن حياته في المستقبل، يقول: ليس لي أي طموحات أطلبها سوى حياة كريمة وزوجة صالحة ومنزل يضمنا ووظيفة أتكسب منها وأن أشعر أنني إنسان أمشي على الأرض بدلا من البحر.

ويستطرد، لا نتزوج إلا من أسرة تجاورنا في البحر فأهل «الأرض» يرفضون مصاهرتنا خوفاً على بناتهن؛ وبالتالي أن نرتبط بأسر تكون قريبة من مركبنا الصغير حتى تكون العادات والتقاليد متفقة.

مآسي الحياة

وتقول نجفة عبد الحميد 32 عاماً: تزوجت منذ 8 سنوات من أحد الصيادين و يدعى خالد محمد إبراهيم كان يجاورنا في البحر، وفرحنا شهده أهل البحر فقد ملأت الزغاريد والإضاءة أرجاء النيل، وحيانا كل من كان سائحاً في البحر ليلة الزفاف.

وعن ليلة الزفاف قالت نجفة قضينا ثلاثة أيام في عرض البحر بعيداً عن أعين الناس في مركب زوجي الصغير بعدها عاد للعمل حتى رزقنا الله بـ «نوريهان ونسرين».

تضيف، اضطررت للخروج من البحر للولادة والاحتماء بأحد المستشفيات ومنها لبيت أحد أقاربي وبعد مرور أسبوع من الولادة وعندما أشتد جسدي عدت مرة ثانية للبحر والعمل والحياة القاسية!!

وتقول حنان محمد السيد 26 عاماً: لنا طقوس تختلف عن طقوس أهل «الأرض» فسكان البحر حياتهم مختلفة وأهم ما يميزهم البساطة.

تضيف، أنا فخورة بأنني تربيت وترعرعت بعيداً عن «الأرض» وإن كانت تقابلنا مشاكل كثيرة كالتعليم مثلاً  ونجد عقبات كبيرة في الحصول على أوراق رسمية كشهادات الميلاد والبطاقات الشخصية أو حتى الحصول على تراخيص لهذه المراكب.

أحلام طفلة

وتقول نورهان طفلة تبلغ من العمر 6 أعوام: كل يوم أقوم باللعب فأضع رمالاً  كثيرة داخل المركب وأبني عليها أشكالاً  فهذه لعبتي الوحيدة، والمشكلة أن المركب صغير ولا يسمح لنا بالجري بداخلة فضلاً  عن خطورة ذلك فقد حذرتني أمي من ذلك.

تتمنى نوريهان، أن تدخل المدرسة وأن تعلب الكرة وتركب الأرجوحة لعلها تأخذها لحياة أفضل مما عاشها الأب والأم والجد؛ أحلام ولكنها قابلة للتحقق لو نظر الناس لسكان المراكب نظرة رحمة.

مخاطر .. ومغامرات

وفي تونس التي تمتد سواحلها ???? كيلو متر يعيش آلاف من العائلات من خيرات البحر، فهناك البحارة صيادو الأسماك، وهناك الخبراء في الغوص بحثاً عن اللآلئ والأسفنج .. ولكن رغم ما في حياة البحر من متعة ورزق فهي في أغلبها أخطار وكوارث ومآسٍ  .. وفي ذلك قصص مؤلمة..

من ذلك أن في مدينة جرجيس على ساحل البحر المتوسط في الجنوب الشرقي التونسي مئات من البحارة يكدحون من أجل الرزق الحلال، من هؤلاء البشير.. يقول لـ«اليمامة»:

«ورثت العمل في البحر عن والدي وقد تعلمت منه هذا العمل منذ طفولتي، وكذلك كل إخوتي توارثوا حياة البحر والتعامل معه. وبعد تجربة مع البحر تجاوزت ستين سنة وجدت في الرزق الطيب ومعاشرة مختلف أنواع المتاعب والأهوال وخاصة عندما كنا نستعمل مركباً صغيراً تقليدياً ونصطاد السمك بواسطة الشبكة قبل ظهور المراكب العصرية التي تعمل بالمحركات، فمراكبنا القديمة كانت تتحرك بالشراع وحسب اتجاه الرياح. أما في فصل الشتاء الذي تكثر فيه الرياح العاتية والعواصف الهوجاء والزوابع والأمطار فنحن كبحارة نلزم بيوتنا لا نغادرها إلا بعدما يكون الجو صحواً وتهدأ أمواج البحر. وقد عرفت كثيراً من المغامرات واقتربت من الموت عدة مرات، في إحدى الليالي الشتائية الرهيبة ذهبت إلى شاطئ البحر لأطمئن على مركبي الراسي به وهو الموثوق بالحبال إلى الأعمدة الأسمنتية، وكانت الأمواج مثل الجبال كما نقول .. لكنني لم أجد مركبي، تقطعت الحبال من قوة الرياح والأمواج .. كنت في عنفوان شبابي قبل أن أصل إلى شيخوختي الحالية .. لم أكترث بالخطر وغامرت بحياتي في الظلام الدامس والبرد الشديد، دخلت الماء في محاولة مني للبحث عن المركب، هكذا حدثني خيالي .. كان خطأ كبيراً مني، ومنذ اللحظة خطفتني الأمواج وهربت بي إلى أعماق البحر وأغمى عليّ وفي صباح اليوم الموالي وجدوني ملقى على شاطئ بحر مدينة «زوارة» الليبية، عثر عليّ حرس خفر السواحل الليبيون بين الحياة والموت .. وكنت محظوظاً أن الحيتان الضخمة لم تفترسني .. ومن لطف الله أن كتِبت لي حياة جديدة، وتعلمت من هذه الحادثة التي بقيت ماثلة أمامي في بقية سنوات حياتي».

راحت أيام الخير والبركة

ويضيف البحار البشير: «إن معاناة البحارة كبيرة وقاسية، إذا وجدوا أسماكاً في شباكهم، باعوها واشتروا الخبز لعائلاتهم .. وإذا بخل عليهم البحر جاعوا وجاع أبناؤهم؛ لأن عملهم موسمي يزدهر بصفة خاصة عندما يكون الطقس عادياً ومعتدلاً .. وفي كثير من الأحيان يعاني البحارة من البطالة لأن الثروة السمكية أصبحت نادرة في أيامنا هذه رغم التطور التكنولوجي وراحت أيام زمان، أيام الخير والبركة عندما كنا نرى السمك بين أرجلنا في مياه الشاطئ.

شواطئ ملوثة:

ويتدخل في الحديث أحد البحارة الشبان اسمه الهادي فيقول: «من أسباب عدم رغبة الشباب في العمل في البحر أن كميات الأسماك في الضفة الغربية للبحر المتوسط انخفضت لعدة عوامل، من أبرزها وأخطرها أن شواطئنا العربية أصبحت ملوثة لا نستطيع العيش فيها كما كان آباؤنا وأجدادنا حين كانت هذه الشواطئ نظيفة قبل أن تعمد البواخر الأجنبية إلى تلويثها بنفاياتها وقبل أن يصيبها الإهمال .. زد على ذلك أن الدول الأوروبية في شمال البحر المتوسط تبتكر يومياً وسائل علمية جديدة لجلب أسماك المتوسط إلى مياهها الإقليمية وبالتالي هربت أسماكنا إليها .. من ذلك على سبيل المثال إن إيطاليا فكرت في تدريب حيتان كبيرة على جذب الأسماك الأخرى من مياهنا بواسطة ذبذبات موسيقية تنبعث من أجهزة صغيرة ودقيقة تثبت على حيتانهم المدربة والتي يطلقونها في البحر تذهب مسافات بعيدة ثم تعود إلى نقاط انطلاقها تتبعها كميات هائلة من الأسماك بأنواعها المختلفة .. هذه طريقة يستعملها الإيطاليون للمحافظة على ثروتهم السمكية وتنميتها.

ويضيف الهادي: «من نتائج التلوث البيئي الذي انتشر منذ مدة في شواطئنا التونسية أن العديد من البحارة يشتكون من أمراض جلدية ظهرت عليهم بسبب تأثير ماء البحر الملوث الذي أضر بهم وسمم الأسماك وجعلهم يتذمرون عبر وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمكتوبة من هذه المعاناة.

ويختتم الجار الشاب حديثه «قائلاً»: ركوب البحر أصبح أمراً عسيراً؛ وهو لا يؤتمن جانبه، ومثلما نقول في تونس: «احذروا البحر إذا هاج» .. وإن معاناة البحارة ليست لها حلول سحرية؛ لأن أغلب الأحيان، الداخل إلى البحر مفقود والخارج منه مولود»..

مشكلة مهنية واجتماعية

وفي المغرب يعيش العديد من البحارة مدة زمنية طويلة وسط البحر في أوضاع مهنية ونفسية صعبة، لعل من بينها تردي الأوضاع المادية للمشتغلين في مهن البحر، فضلاً عن طول غيابهم عن الجلوس إلى أسرهم التي تنتظر عودتهم إلى بيوتهم أحياناً أسابيع طويلة.

وتنقسم معاناة البحارة المغاربة الذين يقتاتون من البحر إلى ثلاثة أقسام، الأول يرتبط بظروف عملهم من ناحية التأطير المهني والعناية الرسمية بهم، والثاني يتعلق بأحوالهم المادية المتردية، وأما الثالث فيرتبط بالوضعية النفسية التي تنجم عن تلك الأوضاع المهنية والمادية.

يقول أحمد بورخيص، بحار في أحد الموانئ جنوب البلاد، إن عشقه للعمل كبحار لا يوازيه عشق آخر، فالذي يكتشف البحر، ويسبر أغواره لا يمكنه أبداً أن يقلع عن حبه للبحر، مضيفاً أن العمل في الحبر مهنة شريفة تستوجب الصبر والشجاعة ورباطة الجأش».

وبالمقابل يضيف هذا البحار، في تصريحات للمجلة، بأنه بحجم هذا الحب للبحر، والانجذاب إلى عالمه الشاسع واللا متناهي، تتولد مشاكل كبيرة عن هذه المهنة التي تتطلب العيش مدداً زمنية غير قصيرة بعيداً عن البرية، «مبرزاً أن مشاكل البحارة لا تكاد تنتهي بسبب سوء تنظيم القطاع رغم مجهودات الوزارة الوصية».

وأفاد هذا البحار بأن أصعب شيء يعانيه البحارة، خاصة الصغار منهم، هو أنهم يشعرون بالحيف إزاء ما يبذلونه من مجهودات ومهام جبارة، دون أن يتقاضوا ما يكافئ ما يقومون به»، مشيراً إلى «المعاناة المالية العسيرة التي يتخبط فيها العديد من أصدقائه البحارة».

انتحار وطلاق:

الجانب الآخر القاسي من ظروف عيش البحارة بالمغرب يتجلى في الظروف المهنية التي لا تساعدهم على أداء مهامهم على أحسن وجه، ومن ذلك الجمود الذي يسم الأوضاع المهنية والاجتماعية للمئات من البحارة وأسرهم.

وتمثل حالة بحارة مدينة طانطان، جنوب المغرب، أحد نماذج هذه المعاناة، حيث توقف قبل بضعة أسابيع أسطول الشركة عن الصيد، وتكبد خسائر بملايين الدراهم في اليوم الواحد، وهو ما جعل الشعور بالإحباط يعم نحو 2000 بحاراً، مما أدى إلى حالات انتحار أمام توالي المشاكل المالية والاجتماعية، من قبيل حدوث نحو 60 حالة طلاق بين هؤلاء البحارة وفق الحسين اليزي الكاتب العام للنقابة الوطنية للصيد في أعالي البحار.

الصيادون الفلسطينيون: البحر أمامكم والاحتلال وراءكم

ويعيش صالح عبد اللطيف (45 عاماً) وهو صياد فلسطيني ورث الصيد عن أبيه ويعيش مع أفراد أسرته المكونة من زوجة و4 أبناء وبنتين في مخيم دير البلح للاجئين على سواحل البحر المتوسط ومنذ زمن طويل وهو يمارس مهنة الصيد كعمل يقتات منه ويصرف به على بيته، لم يجد صالح ملجأ سوى البحر ليكون عوناً له على الدنيا ومصاعبها يعارك أمواجه العاتية غير آبه بمخاطر العمل في البحر لأنه باختصار مصدر رزقه الوحيد.

وعن تجربته بالصيد يقول صالح: الصيد مهنة ممتعة ولكنها ملأى بالمخاطر فبعيداً عن العواصف وأمواج البحر القوية التي قد تفاجئنا نواجه نحن الفلسطينيين خطراً مضاعفاً خاصة في ظل الاحتلال الإسرائيلي الذي يضيق علينا في عملنا ويفرض المساحة التي يجب ألا نتخطاها؛ وهذا يؤدي إلى انخفاض كميات السمك التي نقوم باصطيادها ولكن هذا ما تعودنا عليه فنحمد الله يوم نعود إلى بيوتنا سالمين ومعنا قوت اليوم؛ وهذا يكفي.

حياتي كانت البحر

ولد وتربى الحاج أبو العبد – ??عاماً – في أسرة تعشق الصيد، فكان كل أفراد عائلته الممتدة يعملون بهذه المهنة من جده وأبيه حتى أعمامه وأخواله حتى لقبت العائلة بعائلة الصياد، وعن ذكريات العمل بالصيد يقول أبو العبد: أنا تربيت على شاطئ البحر الذي لم يكن يبعد عن بيتنا سوى بعض الأمتار عشنا على السمك المشوي في ليالي الشتاء الباردة نفترش الأرض مستمتعين بأوقاتنا بعد ساعات من العمل الطويلة في الصيد الذي كنا نبيعه في السوق ونحصل به على رزقنا، لم يكن يعكر صفو أوقاتنا أي احتلال فكنا نحن أهل فلسطين ببرها وبحرها، كنا نخوض في البحر أميالاً  وأميالاً  في رحلات كانت تمتد أحياناً لأيام، حيث كنا نذهب للصيد على شكل مجموعات فقوارب للصيد وقوارب لنقل السمك وبيعه أولاً  بأول وهكذا حتى نعود إلى بيوتنا ثانية للنوم والراحة نستعد لرحلات قادمة.

ويحدثنا أحمد عابد(28 عاماً) عن تجربته في البحر قائلاً: نجوت من الموت مراراً، حيث كانت تصوب الزوارق الإسرائيلية نيرانها تجاهنا رغم أننا لم نكن نتخطى الإشارات المسموح لنا العمل بها حتى أصبت في مرة برصاصة في كتفي ومرة أخرى تعرض قاربي لعطل في محركه مما أوقفني عن العمل لمدة أسبوعين حتى أصلحته وها نحن في كل يوم نخرج فيه للعمل نتوقع مثل هذه الأعمال الجبانة التي يقوم بها المحتلون، لكننا صامدون على أرضنا لن يمنعنا أحد أن نصطاد من بحرنا الذي جعله الله لنا مصدر الرزق الذي نعول منه أسرنا.

جنباً إلى جنب 

وعن حياة البحر تتحدث أم محمد فتقول: عندما تزوجت انتقلت للعيش في مدينة الشاطئ، حيث يعمل زوجي منذ فترة طويلة في الصيد وأنا أسانده في هذا العمل فأقوم بغزل الشباك التي يستخدمها في الصيد إضافة إلى الكثير من الصيادين الذين يحتاجون إلى تصليح شباكهم، وأنا سعيدة جداً بهذا العمل الذي أمارسه من فترة ليست بالبعيدة، ولكنه أصبح مصدر رزق آخر إلى جانب الصيد.

 وتضيف: فكرت في غزل الشباك كمهنة بسبب ظروف صعبة مرت بنا منذ الحرب على غزة، حيث ضيق الاحتلال بشدة على عمل الصيادين فانخفضت كميات الأسماك التي كنا نبيعها في السوق، ومن أجل تلبية احتياجات البيت ولو بالقليل، أصبحت أغزل الشباك وأبيعها للصيادين، إضافة إلى العمل بالتطريز والنسج الذي أتقنه منذ صغري.

الحياة على ظهر سفينة

الجزائري نور الدين شيتي – 59 سنة – لديه علاقة بالبحر تتجاوز 36 سنة زار خلالها كل أصقاع العالم، حياة من التجوال قد يحلم بها الكثير، لكنه حرم من أجمل أمنيات الآباء وهي رعاية الأبناء ورؤيتهم يكبرون،  فنور الدين شيتي لم ير ولديه وهما في مرحلة الطفولة ولم يكن موجوداً حينما التحقا لأوّل مرة بالمدرسة ولم يحضر نجاحاتهما ولم يسمع صوتيهما وهما يكبران ولم يعرف يوماً ماشكلهما لأنه بكل بساطة قضى ما يزيد عن نصف العمر على ظهر سفينة، لا لأنه لا يملك سكنناً أو لظروف معيشية قاهرة وإنما بسبب عمله كبحار في سفينة تنقل الوقود بين القارات، وفي ما مضى لم يكن لمثل عمي نور الدين أن يعرف شيئاً عن ذويه حتى ينزل على اليابسة وكان الأمر يصل إلى الشهور دون أن يعرف شيئاً عن أهله.

يمكن لعمي نور الدين أن يحدثك عن أماكن ساحرة، يحلم أي شخص بزيارتها وكأنه يحدثك عن شارع من شوارع الجزائر، فتكلم نور الدين شيتي، عن ماريلاند في نيويورك، وجزر في المحيط الهادي مثل ما يتحدث شخص عادي عن زيارته لمدينة قريبة.

حياة من التجوال على ظهر الأمواج، تخفي الكثير من المشاق – كما يقول العم نور الدين-، الذي التحق بصفوف البحرية التجارية في السبعينيات «المهنة صعبة وصعبة جداً، فليس من السهل أن تقضي شهوراً في أعالي البحر دون أن تعرف أحوال ذويك، ففي تلك السنوات لم يكن في وسعنا الاتصال إلا عند وصولنا إلى الموانئ التي كنا نقصدها» يسكت برهة ويقول: «لم أشاهد أبنائي يكبرون حتى صاروا الآن كباراً، وهذا حال كل من اختار هذه المهنة». فحسب ما رواه نور الدين شيتي، فغيابه عن اليابسة كان يمتد أحياناً إلى تسعة أشهر، غير أن الذاكرة عادت بمحدثنا بمغامرة لن ينساها أبداً فيقول: «في سنة 1975 كنا في رحلة من رومانيا إلى نيويورك لنقل الوقود، غير أن عطباً لحق بالسفينة وتوقف المحرك فظلت تتقاذفها أمواج البحر العاتية لعدة شهور، ولم نجد خلاصنا إلا على يد الأمريكيين، فكشفت موقعنا مروحية أمريكية ليطمئننا طاقمها وفي اليوم الموالي تم جرنا إلى جزر «البرمودة»، أي بقينا عدة أشهر في انتظار تصليح العطب، ودام غيابنا عن أرض الوطن ?? شهراً كاملة، كنت حينها متزوجاً وبـدون أولاد، سنـة ونصف دون أن نتبادل مع ذوينا أي خبر».

أما كريم جغلاف فيعيش على ظهر سيفينة صيد بمناء القل بولاية سكيكدة شرق الجزائر العاصمة، منذ ما يزيد عن خمسة أعوام، لا لأنه يعمل عليها فقط، بل لأنه بلا مأوى بعد أن طرده والده من البيت، كريم يصطاد السمك الأزرق- السردين – ليلاً  ويحرس السفينة نهاراً، ويقول كريم عن عيشة البحر إنها صعبة خصوصاً في فصل الشتاء إذ لا يمكن للإنسان أن يشعر بالاستقرار وهو يطفو على سطح البحر لا يشعر بالثبات أبداً، ويضيف قائلًا: أنا شخصياً لا أرى أي مستقبل لشاب مثلي لا يمكنني الارتباط والزواج بسبب ظروفي ولا يمكنني أن أحسن ظروفي بالدخل الهزيل الذي أتقاضاه.

نواذيبو الموريتانية وموسم العودة من البحر 

وتزدهر مدينة نواذيبو السياحية شمال موريتانيا حين يعلن عن التوقيف البحري وهي الفترة المخصصة للراحة البيولوجية في الساحل الموريتاني، حيث تستقبل المدينة أفواجاً من الصيادين والمراقبين البحريين والعاملين على السفن العملاقة والمراكب التقليدية من موريتانيين وأفارقة وأوروبيين.

وتنتعش أسواق المدينة بعودة رواد البحر الذين يحملون معهم رواتب ستة أشهر من العمل ولأن أغلبهم شباب فهم يرغبون في الارتباط واستغلال فترة التوقف البحري لتكوين أسرة قبل العودة مجدداً إلى البحر، حيث يمضون أغلب فترات حياتهم.

ويعاني البحارة في منطقة الشمال التي تعتبر منطقة رئيسة للصيد البحري من طول فترة عملهم بالبحر وانقطاعهم عن الحياة، ومن بينهم محمود ولد بركة الذي يقول إن البحارة الموريتانيين يقضون فترة طويلة بين الأمواج وعلى متن السفن، محرومون من دف العائلة ومن رؤية اليابسة ومن استعمال الهاتف ومشاهدة التلفزيون.

ويضيف: «عيشة البحر كلها معاناة وعراك وأمواج عاتية وخوف مستمر من غدر البحر أو تضاؤل عطائه، فنحن نقضي بالبحر فترة تتراوح بين 4 إلى 6 أشهر ثم نعود إلى اليابسة في عطلة قصيرة قبل العودة مجدداً إلى البحر .. إنها حياة صعبة لا يتحملها إلا المرغم عليها بسبب ظروف المعيشة الصعبة».

ورغم أن أغلب العاملين في السفن احترفوا هذه الحرف منذ زمن وخبروا قسوة ظروفها إلا أن شكواهم من عيشة البحر وظروف العمل لا تتوقف، والمفارقة أن غالبيتهم ترفض ترك هذه المهنة كما يقول محمود «غياب البدائل واستفحال البطالة والراتب المجزي للعمل وسط البحر يدفع البحارة إلى التمسك بعيشة البحر مهما بلغت قسوتها».

وتعمل الحكومة الموريتانية على الضغط على شركات الصيد المحلية والأجنبية لتحسين ظروف معيشة البحارة والرفع من إنتاجيتهم، وحل المشاكل التي يعانون منها ومنحهم عطلاً  أكثر في إطار العمل بنظام المداومة.

 اليمامة مجلة الأسبوعية تصدر عن مؤسسة اليمامة الصحفية

Jorgesys Html test Jorgesys Html test

أضف تعليقا

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا