إختزال إرتفاعات اثمنة السردين في خطاب المضاربة قراءة ناقصة للواقع ..!

0
Jorgesys Html test

بقلم عبد الخالق جيخ*

يشهد سوق السمك، وفي مقدمته سمك السردين، موجة جديدة من الإرتفاع في الأسعار أثارت نقاشًا واسعًا في الفضاء العمومي، خاصة بعد البلاغ الذي أصدره المرصد المغربي لحماية المستهلك، والذي عبّر فيه عن قلقه من الزيادة التي وصفها بغير المبررة، مطالبًا بفتح تحقيق في مسارات التسويق وهوامش الربح. ورغم مشروعية هذا القلق، فإن التعامل مع الظاهرة وكأنها حدث مفاجئ أو معزول يختزل واقعًا أكثر تعقيدًا، ويغفل عناصر بنيوية تتحكم في دورة الصيد البحري منذ عقود.

فما نعيشه اليوم كان متوقعًا، بل جرى التنبيه إليه من طرفنا في وقت سابق، عندما تزامن الحديث عن احتمال حلول شهر رمضان مع فترة معروفة بصعوبتها على مستوى التموين البحري. فالتجربة الميدانية، التي يتقاسمها البحارة جيلاً بعد جيل، تؤكد أن الأحوال الجوية تبدأ في التدهور مع منتصف الخريف، وتشتد خلال فصل الشتاء، لتبلغ ذروتها في شهر مارس، الذي يُعد شهرًا انتقاليًا بامتياز، تتقلب فيه الظروف المناخية بشكل يومي، ما يجعل الصيد، خصوصًا صيد الأسماك السطحية وعلى رأسها السردين، محدودًا وغير منتظم. وفي ظل غياب تدبير استباقي فعال، يظل السوق الوطني خاضعًا لهذه الإكراهات الطبيعية الموسمية، التي تمتد من الخريف إلى أواخر الربيع، خاصة عندما يتقاطع شهر رمضان مع هذه المرحلة الحساسة من السنة البحرية.

إن الضغط الذي يشعر به المستهلك اليوم حقيقي ولا يمكن إنكاره، فالسردين ظل لسنوات طويلة رمزًا للغذاء الشعبي في متناول ذوي الدخل المحدود. غير أن مقاربة هذا الإرتفاع تقتضي التمييز بين ما قد يكون ناتجًا عن اختلالات في مسارات التسويق، وهي مسألة تستحق المراقبة والبحث، وبين ما يرتبط بطبيعة دورة الصيد نفسها، وما يرافقها من تقلبات مناخية وبيولوجية معروفة. فخلال السنوات الأخيرة، عرف نمط الاستهلاك تحولًا عميقًا، إذ أصبح السردين يشكل الوجبة الأساسية لشرائح واسعة من المغاربة، خاصة في المدن والمناطق الساحلية، في ظل الإرتفاع المستمر لأسعار اللحوم وتراجع القدرة الشرائية. وقد ساهم هذا التحول، إلى جانب انتشار الوعي بالقيمة الغذائية للسردين عبر وسائل التواصل الإجتماعي، في رفع مستوى الطلب عليه، مما جعل أي خلل موسمي أو ظرفي في العرض ينعكس بسرعة على الأسعار.

ويزداد هذا الوضع تعقيدًا مع دخول فترة الراحة البيولوجية، الممتدة من فاتح يناير إلى منتصف فبراير، والتي تُغلق خلالها مصايد الأسماك السطحية من جنوب آسفي إلى الحدود الموريتانية، حمايةً للمخزون السمكي وضمانًا لاستدامته. ورغم أهمية هذه الفترة من الناحية البيئية، فإن آثارها لا تنتهي بانتهائها الرسمي، بل تمتد إلى الأسابيع الموالية، حيث يحتاج البحر إلى وقت ليستعيد توازنه الطبيعي، ويعود العرض إلى مستوياته المعتادة. ويزداد الأمر حساسية حين تتزامن هذه المرحلة مع سوء الأحوال الجوية، كما هو الحال هذه السنة، حيث تعيش المناطق الشمالية على وقع أمطار ورياح تعيق الخروج إلى البحر. وفي خضم هذه الظروف، لا يسع الفاعلين إلا التضرع بأن يكون الغيث نافعًا، وأن تمر هذه التقلبات بأقل الأضرار الممكنة على الإنسان والبحر معًا.

إن النقاش حول أسعار السردين ضروري ومطلوب، لكن اختزاله في خطاب المضاربة وحده يظل قراءة ناقصة للواقع. فما يحدث اليوم هو نتيجة تفاعل معقد بين الراحة البيولوجية، والتقلبات المناخية، وتغير أنماط الاستهلاك، وتزامن شهر رمضان مع أكثر الفترات اضطرابًا في السنة البحرية. وسيظل هذا السيناريو يتكرر بدرجات متفاوتة ما دام التقويم القمري يتحرك داخل هذه المرحلة الزمنية الحساسة، إلى أن يصادف الشهر الفضيل فترات مناخية أكثر ملاءمة لنشاط الصيد البحري.

وإثارة هذا النقاش لا تأتي بدافع المجادلة أو تسجيل المواقف، بل في إطار المساهمة في تنوير الرأي العام، ووضع التجربة الميدانية في سياقها الحقيقي، بما يساعد على بلورة تصور مستقبلي أكثر استباقية لتدبير فترات الندرة. تصور قد يكون قابلاً للصواب والخطأ، لكنه يفتح النقاش العمومي على أسس واقعية وعقلانية، ويدعو إلى الإنتقال من منطق التدخل الظرفي بعد وقوع الأزمة إلى منطق التخطيط البنيوي القادر على استباقها، بما يضمن في آن واحد حماية الموارد البحرية، واستقرار التموين، وصون القدرة الشرائية للمواطن.

عبد الخالق جيخ: فاعل كنفدرالي سابق مدون مهتم بشؤون الصيد البحري

Jorgesys Html test

أضف تعليقا

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا