الثابت والمتحول في علاقة البحر والبحار ..!

0
Jorgesys Html test

بقلم: عبد الخالق جيخ 

 لم يكن البحر يومًا مجرد مساحة مائية لا نهائية، بل كان دومًا مرآةً تعكس أحوال البشر، وتختزن في أمواجه ذاكرة المهن والتقاليد والعلاقات. وحين امتهنته في بداية مساري المهني، لم يكن التحدي في خوضه، بل في تدبير ما يجود به من رزق. كان همّنا الأكبر هو تصريف المنتوج السمكي، إذ تجاوز ثمن السردين المعدّ للتعليب، بكثير، مثيله الموجّه لمعامل دقيق وزيت السمك. فكان كلّ بحّار يتفنن في طرق تسويق حصّته لمعامل التعليب، التي كانت عاجزة عن استيعاب كامل المصطادات، فيُصرف الفائض، بمرارة، في وجهات أقل نفعًا.

ومع مرور السنوات، توسعت طاقات المعامل وتكاثرت المراكب، لكن شيئًا في البحر تغيّر. لم نعد نشتكي من هيجانه، ولا من الليالي القمرية التي كانت تقلق نوم السمك. بدا البحر وكأنه انسحب في صمت. مياهه الدافئة بدأت تفقد توازنها، تياراته اختلّت، وأسماكه تهاجر نحو عمقٍ أبعد، كأنها تبحث عن وطنٍ جديد، أو تهرب من طبع الإنسان الذي استنزف الصبر والصيد معًا.

المأساة هنا لا تتعلق بالبيئة وحدها، بل بالإنسان الذي اعتاد على علاقة مريحة مع البحر: يطرح شباكه، ويعود بغنيمة. اليوم، يخرج الصياد ولا يعود بشيء. العامل في المعمل ينتظر شاحنات لا تصل، والأسر تسأل عن مصيرها، كمن يسائل أبًا شحيح العطاء.

في الزمن الماضي، كان من البدهي أن تموّل موانئ آسفي والصويرة معامل أكادير. لكن أن يصبح الشمال هو المموّل للجنوب، فتلك مفارقة كانت خارج كل تصور. هذا التحوّل ليس معزولًا، بل هو انعكاس مباشر لواقع بيئي متغيّر، تدفع ثمنه مجتمعات الهامش قبل غيرها.

التغير المناخي لم يعد مفهوماً علمياً نخبوياً، بل واقعًا يضرب شواطئنا وموانئنا في الصميم. لم تعد المسألة مسألة شباك أو رخص أو مواسم، بل مسألة وعيٍ جماعي: كيف نعيد بناء علاقتنا مع البحر؟ كيف نصون ما تبقى من توازنه؟ كيف نصنع من المعرفة أداة إنقاذ، ومن التضامن سبيلاً للبقاء، ومن الكرامة أساسًا لأي سياسة بحرية عادلة؟

الإدارة، والمهنيون، والبحارة، والعمال، كلّهم معنيّون اليوم بإعادة تعلم لغة البحر. لا تلك التي تُدار بها المصالح، بل لغة الفهم، الإصغاء، والاحترام. البحر لا يثور عبثًا. حين يختلّ، فهو لا يُعاقب، بل يُنذر. يُذكرنا أننا لسنا سادة هذا النظام، بل جزء منه، وأن الحفاظ عليه لم يعد خيارًا بيئيًا مؤجلاً، بل شرطًا من شروط البقاء الكريم. فالبحر يتغيّر، نعم. لكن الأهم: هل نحن مستعدون لنتغيّر معه، قبل أن يُدير لنا ظهره تمامًا؟

عبد الخالق جيخ : فاعل كنفدرالي سابق مدون مهتم بشؤون قطاع الصيد 

Jorgesys Html test

أضف تعليقا

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا