الحصص البحرية بين النص القانوني وإختلالات الممارسة ..!

0
Jorgesys Html test

*بقلم : عبد الخالق جيخ 

يُعدّ نظام الحصص في الصيد البحري، من حيث طبيعته القانونية والمؤسساتية، آلية تنظيمية محضة تهدف أساسًا إلى تدبير مورد عمومي نادر وحمايته وضمان استدامته، ولا يترتب عنها بأي حال من الأحوال إنشاء حق في الملكية أو منح امتياز احتكاري دائم. فالحصة، في جوهرها، لا تتجاوز كونها ترخيصًا مؤقتًا ومشروطًا للإستغلال، مرتبطًا باحترام قواعد التدبير الرشيد للثروة السمكية باعتبارها جزءًا لا يتجزأ من الملك العام البحري، الخاضع لمبدأ المصلحة العامة وتكافؤ الفرص بين المهنيين.

وبهذا المعنى، فإن نظام الحصص لا يمنح حائزه سلطة التحكم في المورد، ولا يبيح له إحتكار الإنتاج أو توجيه السوق أو فرض شروطه على باقي المتدخلين. غير أن ما أفرزته بعض الممارسات الميدانية خاصة في بعض الموانئ الجنوبية،  يكشف عن إنزياح مقلق بين النص القانوني وروحه من جهة، وبين واقع التطبيق من جهة أخرى، حيث جرى تفريغ حق الإستغلال من مضمونه التنظيمي وتحويله، في حالات متعددة، إلى أداة للهيمنة الإقتصادية وتشويه قواعد المنافسة الحرة.

ففي قطاع الصيد الساحلي، تتردد على نطاق واسع معطيات عن أنماط من التعامل التجاري تقوم على الحصرية والإصطفاء المسبق، حيث يُروج  لاسيما بميناء العيون وميناء الداخلة، لوجود علاقات مالية غير شفافة بين بعض مجهزي مراكب الصيد وفئة محدودة من التجار أو الصناعيين، تُترجم في شكل تسبيقات أو منح مالية ضخمة مقابل الإلتزام بتصريف المنتوج خارج منطق العرض والطلب، وبعيدًا عن آليات السوق المفتوحة. ويُضاف إلى ذلك ما يُتداول عن محاولات شراء الصمت أو القبول بالأمر الواقع لدى بعض العاملين، في مساس مباشر بكرامة البحارة وبنزاهة استغلال الثروة السمكية.

هذه الممارسات، إذا ثبتت، لا يمكن تكييفها إلا باعتبارها خرقًا صريحًا لقواعد حرية الأسعار والمنافسة، لكونها تقوم على اتفاقات مدبرة تقيد المنافسة، وتُفضي إلى إستغلال تعسفي لوضع مهيمن، من خلال التحكم في العرض وإقصاء متدخلين محتملين، وهو ما لا يمكن تبريره أو تغطيته بنظام الحصص، الذي لم يُشرّع يومًا لمنح أي فاعل اقتصادي حق اختيار شركائه على أساس تفضيلي، يُقصي الآخرين أو يحوّل الإنتاج إلى سوق مغلقة محكومة بالتزامات مالية مسبقة.

وفي سياق موازٍ، يبرز نموذج آخر للإختلال يتمثل في إعتماد تسعير مرجعي يُفرض بشكل مباشر أو غير مباشر كما هو الشأن لميناء بوجدور، وذلك في تجاهل واضح لمنطق المنافسة الحرة ولمبدأ التفاوض الحر بين المتدخلين. فالإصرار على هذا الأسلوب، حتى وإن اتخذ غطاءً تقنيًا أو تنظيميًا، يتعارض مع التوجهات المعلنة لتحرير المعاملات، ويتناقض مع خلاصات المؤسسات الدستورية المعنية بالمنافسة، التي شددت مرارًا على ضرورة ترك الأسعار تتحدد وفق آليات العرض والطلب، ورفض كل أشكال التسعير الإداري المقنّع لما له من آثار سلبية على شفافية السوق وتوازنها. فمثل هذا التوجه لا يؤدي إلا إلى تكريس احتكار فعلي، وتجريد المهنيين من حقهم في التفاوض، وإفراغ مبدأ حرية الأسعار من محتواه الحقيقي.

أما في ما يتعلق بالصيد الصناعي  “RSW”، فإن الإشكال يتخذ بعدًا أكثر حدّة، حين يُلاحظ أن الولوج إلى المورد السمكي يُمنح، في الواقع، لفائدة فاعلين محددين دون غيرهم، فيتحول نظام الحصص من أداة للتنظيم إلى آلية تفضيلية تُنتج امتيازًا شبه حصري. ويترتب عن ذلك مساس مباشر بمبدأ المساواة في الولوج إلى السوق، وإخلال واضح بقواعد العدل في إستغلال الملك العام البحري، فضلًا عن تعارضه مع المرتكزات الدستورية التي تؤكد على تكافؤ الفرص والحد من الإمتيازات غير المشروعة، ومع روح قانون المنافسة الذي يجرّم كل استغلال تعسفي لوضع مهيمن، سواء عبر التحكم في العرض أو إقصاء المنافسين.

ويتضح من مجمل هذه المعطيات أن الإشكال الجوهري لا يكمن في نظام الحصص في حد ذاته، باعتباره إجراءً تنظيميًا مشروعًا وضروريًا، بل في الإنحرافات التي تطبع تنزيله على أرض الواقع، وفي ضعف أو غياب آليات المراقبة والزجر، وتراخي إنفاذ القانون في مواجهة ممارسات تُفرغ النصوص من مضمونها. ومن ثم، فإن إعادة الإعتبار لمبادئ حرية الأسعار والمنافسة تقتضي إخضاع جميع المتدخلين، دون استثناء، لرقابة فعالة ومستقلة، مع الفصل الصارم بين الدور التنظيمي للإدارة والممارسات التجارية للفاعلين الإقتصاديين، وضمان المساواة الفعلية في الولوج إلى المورد والسوق، بما يحقق العدالة، ويحمي الثروة السمكية، ويصون مصداقية دولة القانون.

*عبد الخالق جيخ فاعل كنفدرالي سابق مدون مهتم بشؤون الصيد البحري 

Jorgesys Html test

أضف تعليقا

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا