بقلم: عبد الخالق جيخ
لم يأتِ اهتمامي بموضوع الأحياء المائية من تقارير رسمية مُنمّقة، ولا من بلاغات مؤسساتية تُراكم الأرقام وتُفرغها من معناها الإجتماعي، بل تشكّل من إحتكاك يومي بالطريق، وبالمكان، وبالوجوه التي لا تجد لها موطئ قدم في دفاتر الإحصاء ولا في عروض المجالس الإدارية.

فالطريق الوطنية الرابطة بين أكادير وإيت تامر، في اتجاه الصويرة ، ليست مجرد بنية تحتية للنقل، بل فضاء مكشوف يعرّي منطق توزيع الثروة والدعم العمومي، فهناك مشاريع حظيت بمنح سخية قد تصل إلى الملايير، ليس بناءً على جدواها الإجتماعية أو أثرها المحلي، بل بحكم انتماء أصحابها إلى دوائر النفوذ، وقربهم من مراكز القرار، مقابل فئات واسعة تُركت خارج كل حساب، تعيش على الهامش وتشتغل في صمت.
على جانبي الطريق، يتجاور عالمان لا يلتقيان: عالم ( الإقتصاد الأزرق) كما يُقدَّم في الخطاب الرسمي، بعناوينه البراقة واستثماراته الضخمة، وعالم آخر من العمل الهش، حيث شباب يبيعون ما تيسر على جنبات الطريق، ونساء يفترشن الأرض داخل أكواخ بدائية اتقاءً لحرّ الشمس وقساوة الرياح. هذا التعايش القسري ليس صدفة، بل نتيجة مباشرة لسياسات عمومية اختارت أن تُراكم الدعم في الأعلى، وأن تترك الفتات في الأسفل.
ينطلق هذا النص من قناعة مفادها أن الأرقام، مهما بدت إيجابية، تفقد معناها حين تُفصل عن سؤال العدالة. فليس المشكل في وجود منح أو برامج دعم في حد ذاتها، بل في كيفية توزيعها، وفي المعايير غير المعلنة التي تحكم الإستفادة منها. فخلف خطاب الإستدامة وتخفيف الضغط عن المصايد، يتكرّس في الواقع منطق زبوني يعيد إنتاج نفس الوجوه ونفس المصالح، تحت مسميات جديدة.
لقد تحوّل ورش الأحياء المائية، في حالات كثيرة، إلى قناة إضافية لتوزيع الريع البحري، حيث تُمنح البقع المائية، والتراخيص، والدعم المالي والتقني، لفاعلين بعينهم، بينما يُطلب من صغار المنتجين والمنتِجات (الاندماج) بشيء من الفتات ، دون أن تتوفر لهم شروط هذا الإندماج. وتبرز المفارقة بشكل صارخ عند مقارنة المسار السلس لمشاريع الخواص الكبار، بالمسار الوعر الذي تواجهه التعاونيات المحلية، خصوصاً النسائية منها، رغم محدودية إمكانياتها وارتباطها المباشر بالإقتصاد المحلي.
في هذا السياق، تُقدَّم التعاونيات البحرية كإطار إدماجي، لكن دون تفكيك الشروط غير المتكافئة التي تشتغل داخلها. فالتعاونيات النسائية، خاصة تلك التي تضم جامعات المحار والطحالب، تجد نفسها محاصَرة بين خطاب تشجيعي من جهة، وواقع إداري ومالي خانق من جهة أخرى: صعوبة الولوج إلى التمويل، غياب المواكبة التقنية الحقيقية، وتهميش المعرفة المحلية لصالح نماذج استثمارية مستوردة.
وفي قلب هذا الإقصاء المنهجي، تقف نساء يخرجن من منازلهن منذ الفجر، بحثاً عن وسيلة نقل توصلهن إلى الشاطئ. بعضهن يمتطين دوابهن لحمل الأمتعة وأدوات العمل، ثم يبدأن سباقاً صامتاً مع الجزر والبرد والصخور الزلِقة. يلتقطن المحار، خاصة ( بوزروك) أو (تيكري)، (les moules ) بأدوات تقليدية وبجهد شاق، دون أي حماية إجتماعية أو اعتراف قانوني، بينما تُمنح الملايير بإسم الاستدامة لمن لا تطأ أقدامهم الشاطئ.
من هنا، لا يسعى هذا النص إلى تجميل الواقع ولا إلى مجاراة الخطاب الرسمي، بل إلى تفكيك العلاقة بين السياسات البحرية ومنطق الزبونية السياسية، وطرح سؤال جوهري: كيف يمكن الحديث عن اقتصاد أزرق عادل، في ظل توزيع انتقائي للدعم يعمّق الفوارق، ويحوّل الإستدامة إلى شعار، والعدالة الإجتماعية إلى مؤجل دائم؟
عبد الخالق جيخ: فاعل كنفدرالي سابق مدون مهتم بشؤون الصيد البحري

























