يقف قطاع الصيد البحري الساحلي اليوم على عتبة منعطف حاسم، بين إرادة رسمية صادقة لدمقرطة العلاقات المهنية داخله، وبين إرث ثقيل من الأعراف المتجذّرة التي ما تزال تتحكم في تفاصيله الدقيقة. فقد شكّل المرسوم المتعلق بكيفيات إعادة توزيع المداخيل الإجمالية لباخرة الصيد، وما رافقه من تعديل تشريعي عبر القانون 02.24، خطوة نوعية في طريق تعزيز الدولة الاجتماعية. ولأول مرة يتم إدراج مقتضيات صريحة تنظّم توزيع المداخيل واحتساب أيام الإشتراك في الضمان الإجتماعي وفق إيقاع النشاط الموسمي للبحارة، في انسجام مع التزامات المغرب الدولية وضمانات العدالة المهنية.

غير أن هذا التقدم القانوني يصطدم بواقع تاريخي شديد التعقيد، إذ ظل القطاع لعقود طويلة محكوماً بتقاليد موروثة منذ عصور الملاحة التقليدية، حين كانت علاقات القوة تُبنى على النفوذ العائلي والقبلي، ويتحكم المجهّز في كل ما يتعلق بتنظيم العمل ومردوديته. ويعود جزء من هذا الإرث إلى زمن الحماية، حين اكتفى ظهير 1919 بالتركيز على الجوانب التجارية للملاحة وتجاهل عمداً تنظيم العلاقة بين المجهّز والبحّار، ما سمح بإستمرار أعراف خدمت آنذاك مصالح القوى المهيمنة، وبقيت ترخي بظلالها على القطاع حتى اليوم.
وتتمثل المفارقة في أن توزيع الحصص ما يزال يخضع لتوازنات اجتماعية غير عادلة أكثر مما يخضع للقانون. فالمستفيدون من المراكب ذات المردودية العالية يميلون إلى الصمت، طالما أن أوضاعهم أفضل من غيرهم، في حين تعيش الأغلبية أوضاعاً صعبة ومهينة دون صوت نقابي قوي يعبّر عنها. وما يوجد من ممثلين لا يعكس الواقع العددي ولا يعبّر عن احتياجات الفئات العريضة من البحارة الذين ينهكهم يوم العمل، ولا يجدون وقتاً أو قدرة على الانخراط في النقاش العام حول مستقبلهم المهني.
في هذا السياق يبرز مشروع العقد النموذجي الذي تفكر الإدارة في تنزيله كخطوة منطقية وضرورية لملاءمة الممارسة مع القانون والاتفاقيات الدولية الخاصة بالعمل البحري. لكن متوقّعاً أن تواجهه مقاومة من الذين ألفوا الوضع القائم، واستفادوا طويلاً من مناطق رمادية ضمنت لهم امتيازات واسعة. فكل محاولة لإعادة توزيع القيمة تثير بطبيعتها، حساسية لدى من يريدون الإستفادة من البحر وغنيمته دون تغيير قواعد اللعبة.
وتصبح الإشكالية أكثر تعقيداً حين يُناقش النموذج التعاقدي من مواقع فئوية ضيقة، دون استحضار التجارب المقارنة التي نجحت في تحقيق التوازن بين حقوق العاملين وضمان الإستثمار، كما هو الحال في بلدان متوسطية وأخرى شمالية تعتمد مقاربات واضحة للشفافية والتعاقد المهني. ويبدو ضرورياً اعتماد مسار تدريجي لتفعيل العقد النموذجي، يبدأ بتجريبه في ميناء واحد يمكن أن يشكل نموذجاً، مثل بوجدور، قبل تعميم التجربة بشكل متدرج ومدروس. كما يصبح لزاماً إعادة هيكلة ملكية المراكب نحو الصيغة الشركة، بدل استمرار الملكية الفردية التي تضعف الشفافية وتسهّل تضارب المصالح. ويمكن في الاتجاه نفسه الإستفادة من نموذج عقد بحارة أعالي البحار، خاصة بالنسبة للمراكب المملوكة أصلاً لشركات، على أن يُكيَّف مع خصوصيات الصيد الساحلي.
ويبقى العامل الحاسم في كل إصلاح هو جودة التكوين. فغياب تكوين بحري حقيقي وقادر على إنتاج أطر مهنية مؤهلة، يجعل أي إصلاح قانوني أو تعاقدي هشاً. فكيف يمكن تصور علاقة تعاقدية حديثة في ظل وجود ربان لا يتقن أساسيات الحساب البحري أو رسم الخرائط؟ إن الإرتقاء بجودة التكوين وربطه بالمعايير الدولية، شرط لا محيد عنه لإحداث تحول جذري في ثقافة القطاع وفهم الإطار التعاقدي الجديد.
وبناء على كل ما سبق يبقى إصلاح قطاع الصيد البحري متطلبا لشجاعة سياسية وقدرة على تفكيك إرث الأعراف القديمة، وبناء علاقة تعاقدية عادلة، تحفظ للبحار كرامته وتضمن استدامة الإستثمار. ولن يتحقق ذلك طبعا ، إلا بإشراك الخبراء وأهل الاختصاص، والاحتكام إلى التجارب الناجحة، بعيداً عن الأصوات التي تجيد إثارة الضجيج أكثر مما تقدم حلولاً.

























يهدف هذا البحث إلى دراسة الوضع القانوني والاجتماعي للصيادين في المغرب، بهدف النظر في سبل تحسينه.
تتعرض هذه الفئة من العمال لمخاطر عديدة.
في ظل هذه العوامل، دخل الصيادون المغاربة مرحلة من التساؤل والتأمل في وضعهم الاجتماعي.
يتيح لنا هذا البحث تقييم هذا الوضع، كاشفًا عن العديد من المشاكل التي تؤثر سلبًا على ممارسة هذه المهنة.
وتخلص هذه الدراسة إلى أن الطبيعة الفريدة للعمل في قطاع الصيد البحري واستقلالية قانون العمل البحري لم يعودا كافيين لإثبات وجود تعارض جوهري يحول دون تطبيق بعض قواعد قانون العمل البري.
تعيد الدراسة إحياء نقاش تشريعي وفقهي قائم منذ فترة طويلة حول استقلالية قانون العمل البحري.
ثم تقترح الدراسة عدة سبل للتأمل وحلول عملية تهدف إلى تحسين وضع الصيادين في إطار استقلالية معتدلة.
ويُعد التقارب والتوافق بين قانون العمل البحري وقانون العمل البري أمرًا ضروريًا، بما يتماشى مع الاحتياجات المحددة.
https://scholar.google.com/citations?user=5ICQ6j8AAAAJ&hl=fr
التاريخ البحري.
جان ماري كوالسكي
أجريجيه، باحث في الأدب الكلاسيكي، دكتور في اللغات والآداب القديمة، أستاذ في الأكاديمية البحرية.
البحارة والموت: أهمية الأسطورة.
يتناول هذا الاقتباس، الذي يُنسب غالبًا إلى أناخارسيس، الحكيم اليوناني القديم، مسألة ما إذا كان عدد الأحياء يفوق عدد الأموات، من خلال تسليط الضوء على تعقيد التصنيف البشري والحالة الحدية للبحارة، الذين هم في الوقت نفسه على قيد الحياة وفي خطر مميت محتمل، مما يتحدى الثنائية البسيطة بين الأحياء والأموات.
إنها طريقة لإظهار وجود أكثر من فئتين، تتضمن مفهوم الخطر أو الانتقال، الذي تؤكده العبارة الشهيرة:
“هناك ثلاثة أنواع من البشر: الأحياء، والأموات، والذين يبحرون.”
https://www.ifmer.org/assets/documents/files/revues_maritime/492/7Les-marins-et-la-mort-Actualite-dun-mythe.pdf