بقلم: عبد الخالق جيخ*
تأتي زيارة كاتبة الدولة المكلفة بالصيد البحري، زكية الدريوش، إلى ميناء أكادير يوم 21 نونبر 2025 في سياق دينامية ميدانية تحاول من خلالها المسؤولة الجديدة بلورة تصور قريب من الواقع حول ما يعتمل داخل قطاع استراتيجي يعيش مفارقة حادة بين إمكاناته الضخمة وتعثراته المزمنة. وقد استهلت جولتها بتفقد أوراش بناء وإصلاح المراكب، قبل أن تنتقل إلى لقاء مباشر مع البحارة والاطلاع على عدد من الوحدات الصناعية المتخصصة في تثمين المنتجات البحرية بمنطقة أنزا، في خطوة لامست جانباً من نبض الاستثمار الصناعي البحري بالإقليم. غير أن صدى الزيارة تجاوز حدود البروتوكول، إذ أثارت نقاشاً واسعاً بين المهنيين والمتابعين حول ما إذا كانت ستُترجم فعلاً إلى إجراءات حاسمة أم ستبقى مجرد حركة تواصلية لا تغيّر شيئاً في عمق الأزمة.

لقد كشفت زيارة أوراش بناء السفن عن مفارقة صارخة: إشعاع خارجي يفتح أبواب أسواق دولية وازنة كفرنسا وموريتانيا وأنغولا والسنغال وحتى الجزائر، يقابله شلل داخلي يهدد هذه الأوراش بالإغلاق ويفتح الباب أمام ضياع مئات مناصب الشغل. ورغم اعتراف الوزيرة بأهمية هذه البنية الإنتاجية، إلا أن السؤال الجوهري ما زال معلقاً بلا جواب: ما هي الخطوات العاجلة التي ستتخذها الوزارة لتأمين مستقبل هذا القطاع؟ لا لجنة تقنية معلنة، ولا خطة واضحة، ولا بلاغ رسمي يشرح ما بعد الزيارة، الأمر الذي يجعل التخوف مشروعاً من أن تتحول هذه المحطات الميدانية إلى لحظات لالتقاط الصور بدل اتخاذ القرار.
أما في مربّع الصيد، فقد بدا المشهد مزدوجاً بين احتفالية صاخبة وحقيقة اجتماعية مريرة. فقد تفاعلت الوزيرة مع البحارة بحميمية، وبلغ التفاعل ذروته حين ردّدت عبارتها اللافتة: من لا يهتم بالبحّار فلست معه. لكن خلف هذا المشهد ظل غضب كثير من البحارة يتصاعد، معتبرين أن من استقبل الوزيرة لا يمثلهم، وأن اللقاء لم يعكس حجم المعاناة اليومية التي يعيشونها. فهم لا يبحثون عن الصدقات بل عن عدالة اجتماعية تُنصفهم ضمن منظومة تعتمد أساساً على مجهودهم البدني والمهني، علماً أن الخلاف بين المجموعتين وصل حد اللجوء إلى القضاء، في سابقة تكشف حجم الاحتقان داخل الوسط البحري.
وقد ناقشت الإدارة ما سُمّي بعقدة الالتزام البحري التي يُفترض أن تنظّم العلاقة بين المجهّز والبحّار، تماشياً مع المرسوم الحكومي رقم 2.25.266 المتعلق بإعادة توزيع مداخيل مراكب الصيد، إضافة إلى تعديل قانون الضمان الاجتماعي الذي اعترف أخيراً بطبيعة العمل الموسمي للبحارة، وضمن احتساب أيام الاشتراك خلال فترات التوقف البيولوجي. غير أن هذه المكاسب تبقى رهينة بالشفافية والمراقبة الصارمة، لأن غيابهما يفرغ الإصلاح من محتواه ويحوّله إلى مجرد إعلان بلا أثر.
وفي جانب الصناعة التحويلية، تتبدى الأزمة في أوضح صورها. فالمعامل التي تمتلك سفنها الخاصة لا تتجاوز اليوم 30 في المائة من طاقتها الإنتاجية، أما المصانع المعتمدة على سوق السمك فتكاد تقف على حافة الإفلاس، أمام شح المنتوج وتحوّل السردين إلى مادة استهلاك محلية شبه يومية نتيجة الحاجة إلى مصدر بروتيني منخفض التكلفة من جهة، وانتشار ثقافة الوجبات السهلة عبر وسائل التواصل الاجتماعي من جهة أخرى. ويتسلل في هذا السياق سماسرة الفراقشية بشكل لافت، خصوصاً خلال شهر رمضان، فيضربون توازن السوق ويقضون على فرص المعامل في تأمين حاجياتها من المادة الأولية.
هذا الوضع المستمر للأزمة للعام الثالث على التوالي يعمّق هشاشة اليد العاملة التي لم تعد تحتمل تقليص ساعات العمل إلى مستويات تُهدّد القدرة على العيش، في وقت بدأت فيه قطاعات أخرى، كالفلاحة، باستقطاب العدد الأكبر من العمال المهرة الذين يصعب تعويضهم عند عودتهم. إن انهيار هذا الركن الصناعي سيكون مقدمة لضربة اقتصادية قد تتضرر منها مدن بأكملها تعتمد على دورة الإنتاج البحري.
من هنا تبرز أهمية الزيارات الميدانية، لكنها تظل بلا معنى إن لم تُترجم إلى قرارات فعلية. القطاع اليوم لا ينتظر وصفاً أو مجاملة، بل خطة إنقاذ واضحة لأوراش بناء السفن ضمن رؤية وطنية لتطوير الأسطول البحري، وتفعيل المرسوم الجديد بما يحقق العدالة للبحارة من خلال عقد عمل تشاركي يُعدّ بشفافية وبمساهمة الخبراء والفاعلين الحقيقيين، لا في أجواء فولكلورية تُعيد إنتاج نفس الأعطاب.
وقد اختتمت الوزيرة جولتها بتوزيع شهادات الإستحقاق على طلبة المعهد الوطني العالي للصيد البحري، مرفوقة بعرض مسرحي تحسيسي حول مخاطر أدوات الصيد المدمّرة وحماية صغار الأسماك. وهي مناسبة تفتح سؤالاً آخر حول تكوين الكفاءات البحرية والاتجاه الجديد الذي يغلّب التكوين الأكاديمي على التكوين المهني. وهو موضوع يستحق وقفة خاصة، سأعود إليه في ورقة مقبلة، من موقع اطلاعي ومساهمتي في تأسيس عدد من مجالس إتقان.
*عبد الخالق جيخ: فاعل كنفدرالي سابق ، مدون مهتم بالشأن القطاعي البحري
























