ما بين “نعمة الله” وحرارة الأطلسي .. دروس من زمنين في عزّ أزمة السردين

1
Jorgesys Html test

بقلم : عبد الخالق جيخ 

بمناسبة مشاركة منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) في اللقاء العلمي الذي احتضنته الرباط يومي 16 و17 أكتوبر الجاري، وجدتني أعود بذاكرتي إلى تجربة مهنية شكلت منعطفًا في حياتي أواخر تسعينات القرن الماضي، حين أُتيح لي أن أكون جزءًا من برنامج وطني لتأهيل مراكب الصيد الساحلي بالسردين، في إطار تعاون تقني رعته المنظمة الأممية ذاتها. كنت آنذاك ربانًا على مركب “نعمة الله”، وقد تطوعتُ رفقة مالك المركب، السيد عبد الرحمن بوسري، لخوض مغامرة علمية في زمن كان فيه الحديث عن تثمين المنتوج البحري ضربًا من الترف المعرفي، لا سياسة بحرية واضحة المعالم.

قضينا أسابيع في إعادة تأهيل المركب تحت إشراف خبراء أجانب حمل كل واحد منهم علمًا وتجربة. كان الفرنسي باركي صارمًا في ضبط توازن المركب وتوزيع الحمولة، والنرويجي فريدريكس يشرح لنا بلغة العلم أثر النظافة ودرجة الحرارة على جودة السردين، فيما تولى خبير ثالث، لا أذكر اسمه، تفاصيل أنظمة التبريد ومراقبة حرارة العنابر. كانت تلك التجربة درسًا بليغًا في أن التقدم في الصيد لا يُقاس بسرعة المحرك ولا بحجم الشباك، بل بقدرتنا على صون الجودة وتثمين ما يهبنا البحر من خير.

أثبتت التجربة نجاحها حين استطعنا العودة إلى الميناء والسردين في العنابر يحتفظ بحرارته بين ثلاث وسبع درجات مئوية، وهو إنجاز غير مسبوق بمقاييس تلك الحقبة. شارك في المشروع أطر من وزارة الصيد البحري والمكتب الوطني للصيد والمعهد الوطني للبحث في الصيد البحري، ما أضفى على العمل بعدًا وطنيًا متكاملًا. لكن، كما يحدث في كثير من المبادرات الرائدة، بقي المشروع حبيس التقارير والرفوف، رغم أنه كان نواة مبكرة لفكرة الاستدامة قبل أن تصبح شعارًا للسياسات البحرية الحديثة.

اليوم، بعد مرور عقود، يعود السؤال نفسه ولكن في سياق أكثر تعقيدًا. ففي اللقاء العلمي الدولي حول الأسماك السطحية الصغيرة، الذي نظمته كتابة الدولة المكلفة بالصيد البحري بشراكة مع الفاو، بدا واضحًا أن التحدي لم يعد تقنيًا فقط، بل وجوديًا. المناخ تغيّر، وحرارة المحيطات ترتفع، والعوالق البحرية — تلك الكائنات المجهرية التي تُعدّ أساس السلسلة الغذائية — تتراجع كمًّا ونوعًا.

عبد الخالق جيخ وعبد الرحمن البوسري يتوسطهم الحاج الحسن مجهز في الصيد الساحلي

الخبير الأممي الدكتور أرنو لو بريس تحدث بلغة الأرقام الصادمة عن منطقة الكناري–الصحراء، الممتدة من شمال المغرب إلى السواحل الموريتانية، التي باتت من أكثر النقاط سخونة في العالم من حيث الاحترار البحري. وأوضح أن انخفاض تركيز الكلوروفيل في مياهها بنسبة 0,28 ميليغرام في المتر المكعب الواحد كل عقد يعني أن البحر يفقد خصوبته ببطء، وأن ملايين الأطنان من العلف الطبيعي لم تعد تُنتج، ما يهدد دورة الحياة البحرية في جوهرها.

ما قاله الخبير أعاد إلى ذهني حرارة العنابر التي كنا نقيسها في “نعمة الله”، لكنها اليوم حرارة من نوع آخر: حرارة كوكب يختنق. فحين يدعو العلماء إلى إدماج المعطيات المناخية في نظام حصص الصيد، فهم في الحقيقة يدعون إلى إعادة التفكير في علاقتنا بالبحر ككائن حيٍّ لا كمورد اقتصادي فقط. لقد أصبح المناخ، كما قال لو بريس، ليس خلفية للبحر، بل اللاعب الرئيسي فيه. وربما آن الأوان لنستعيد روح التجريب التي عرفناها في مراكب الأمس، ولكن بعينٍ أشمل، ترى في الاستدامة ليس مجرد تقنية، بل فلسفة بقاء.

*عبد الخالق جيخ: فاعل كونفدرالي سايق مدون مهتم بشؤون الصيد البحري

Jorgesys Html test

تعليق 1

  1. *Système halieutique : un regard différent sur les pêches. 1997.*
    L’ouvrage est voulu comme une incitation à reconsidérer les processus dont participe la dynamique des pêches, pour amener ses acteurs, y compris les scientifiques, à une relecture des problèmes et à la recherche de solutions collectives plus que jamais nécessaires. 
    https://archimer.ifremer.fr/doc/00000/4300/

أضف تعليقا

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا