أزمة الأسماك السطحية .. صوت الربّان والبحّار مكون جوهري في التشخيص ..!

0
Jorgesys Html test

بقلم: عبد الخالق جيخ 

في ظل التحولات المناخية المتسارعة وتفاقم التحديات المرتبطة باستدامة الثروات البحرية، ينظم المعهد الوطني للبحث في الصيد البحري يومي 16و17  أكتوبر 2025 بالرباط، ورشة دولية تحت شعار يعكس خطورة المرحلة: الأسماك السطحية الصغيرة في مواجهة التغيرات المناخية والاستغلال الجائر، من أجل تدبير متكيف ومستدام.

وتستحق المبادرة، في بعدها العلمي والمؤسساتي، التقدير، خاصة وأنها تسلط الضوء على إحدى أهم القضايا الاستراتيجية المرتبطة بالأمن الغذائي والتنمية الساحلية. غير أن هذا التقدير لا يمكن أن يحجب مفارقة مؤلمة رافقت الحدث: غيابٌ يكاد يكون ممنهجًا لممثلي الصيادين والربابنة كما يوضح ذلك برنامج الورشة ، فيما غابت كلمة الغرف أو جامعتها على المداخلات الإفتتاحية، حيث  كان على المنظمين التفكير بشكل أكثر شمولية ، بإستدعاء ربابنة الصيد لا سيما في قطاع الأسماك السطحية ومنحهم الحيز الزمني الكافي ضمن الورشات. فهم من يخوض يوميًا معركة البقاء وسط محيط متقلب، ويملكون من التجربة والمعرفة ما لا يمكن تعويضه داخل القاعات المغلقة.

فأن يُعقد لقاء علميا دوليا حول مصايد الأسماك السطحية الصغيرة، وعلى رأسها السردين، دون مشاركة فعلية ومهيكلة لممثلي الصيادين والربابنة في منصة النقاش، أمر يثير القلق والتساؤل في آن. فهل يمكن فعلاً تصور نقاش جدي حول استدامة المورد من دون استحضار من يعيشون مباشرة آثار تقلصه؟ وهل يُعقل أن تُوضع تصورات علمية أو مؤسساتية لمستقبل القطاع من دون الاستماع إلى صوته الداخلي؟ الواقع أن هذا الغياب لا يمكن تبريره فقط بخيارات المنظمين، بل يفضح بشكل أعمق خللًا بنيويًا في تمثيل المهنيين، وارتباكًا في أدوار الهيئات الدستورية والمهنية التي من المفروض أن تنوب عنهم وتنقل صوتهم، بل وتفرض حضورهم ، بل أكثر من ذلك يساءل المشهد الجمعوي والنقابي لهذه الشريحة المهنية .

فالواقع الميداني للقطاع لا يحتاج إلى تجميل والمعهد هو أعرف بواقعه وأزماته المركبة ، بل إلى مواجهة صريحة. قفي الداخلة وطانطان على سبيل المثال، يعاني المهنيون من هيمنة السمك الصغير على المصايد، ما يربك دورة الإنتاج ويؤثر على الكمية والجودة. الموارد العادية في تراجع مستمر، والمصانع تشتكي من نقص حاد في التموين وارتفاع مهول في الكلفة، والمجهزون غارقون في الديون، بينما يعيش البحارة وسكان السواحل في وضع اجتماعي هش، دون حماية اجتماعية كافية أو بدائل اقتصادية حقيقية. هذا الواقع، بتعقيداته اليومية، من المفروض أن يجد له مكانًا على طاولة النقاش، لاسيما وأن المناسبة  مثالية لجعله في صلب التفكير العلمي والمؤسساتي.

حقيقة لا أحد ينكر قيمة البحث العلمي في تدبير الثروات البحرية، ولا يُجادل في أهمية الرؤية البيئية للحفاظ على المورد، لكن التجربة أثبتت أن أي تدبير لا يُشرك الفاعل الميداني، يظل منقوصًا وعاجزًا عن التطبيق. المطلوب اليوم هو تغيير جذري في منطق الاشتغال، من خلال بناء شراكة متوازنة بين الإدارة باعتبارها مؤطرة ومنظمة، والعلماء باعتبارهم منتجي المعرفة، والمهنيين باعتبارهم حاملي التجربة والمصلحة المباشرة. فهذه الشراكة تعد ضرورة استراتيجية لضمان فعالية السياسات العمومية في قطاع حساس وحيوي.

إن النقد الموجه لهذا اللقاء لا ينطلق من موقف عدائي أو رافض، بل من حرص صادق على الإصلاح. لأننا نريد لقطاع الصيد البحري أن يكون رافعة حقيقية للتنمية، وفضاءً للكرامة والعدالة الاجتماعية، ومجالًا للبحث العلمي النافع، لا مجرد واجهة لمشاريع نظرية تنتهي مع آخر مداخلة في آخر جلسة. لكن ذلك لن يتحقق إلا إذا تحمّل الجميع مسؤولياته، وعلى رأسهم التمثيليات المهنية التي يجب أن تستفيق من سباتها، وتعيد بناء مشروعها التمثيلي على أسس جديدة، قوامها الترافع الجاد، والانخراط في النقاش العمومي، والتأثير في القرار، لا الدوران في حلقة فارغة من الانتظار والتبرير.

إن الحضور الباهت لصوت الميدان بالنظر لحجم المساحة الزمنية المخصصة لهذا الصوت تساءل واقع الممارسة ، خصوصا وان ما تواجه المصايد السطحية تفرض تحرك مهنيا موازيا ومبادرا للخوض بعيدا عن الرقابة الإدارية والمنظومة الرسمية، بما يضمن الحرية في البوح وتسمية الأمور بمسمياتها الحقيقية، وتشريح الواقع من زواياه التدبيرية والعلمية والإستثمارية بما يضمن تقييم مناخ الأعمال القطاعي في مفهومه الواسع . وبالتالي فقد آن الأوان أن يُستعاد هذا صوت رجل الميدان، لا كمجرد حضور رمزي، بل كمكون أساسي في التفكير والتخطيط والتنفيذ. فقد آن للبحر أن يتحدث بلغة من يعرفه، لا بلغة من يراقبه عن بُعد. لأنه، في النهاية، لا أحد أقدر على حماية الثروة البحرية من أولئك الذين يرتبط مصيرهم بها.

*عبد الخالق جيخ فاعل كنفردالي سابق ومدون مهتم بقضايا الصيد 

Jorgesys Html test

أضف تعليقا

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا