في الوقت الذي يشهد فيه قطاع الصيد البحري بالمغرب مخاضاً تنظيمياً يُعاد من خلاله التفكير في أنماط الإنتاج والعلاقات الشغلية وسبل ضمان الاستدامة الاقتصادية والاجتماعية، تبرز من جديد الحاجة الملحّة إلى إعادة الاعتبار لصوت البحارة، ليس فقط باعتبارهم فاعلين مباشرين في السلسلة الإنتاجية، بل باعتبارهم أيضاً أصحاب معرفة ميدانية دقيقة، تشكل شرطاً أساسياً لأي إصلاح واقعي. وفي خضم هذا السياق العام المطبوع بتحولات تشريعية وتنافسية وضغوط مرتبطة بسوق الشغل وتحديات السلامة البحرية، خرجت بعض الأصوات النقابية لتعبر عن استيائها من “الإقصاء غير المبرر” للتمثيليات المهنية للبحارة من اللقاءات التشاورية المتعلقة بمشروع التعاقد الجديد بين المجهزين وبحارة الصيد الساحلي.

هذا الموقف، وإن بدا في ظاهره مجرد مطالبة تنظيمية بإشراك طرف مُستبعَد من النقاش، إلا أنه في العمق يفتح ملفاً أوسع يتعلق بكيفية صناعة القرار على مستوى التشريع داخل القطاع، وبمدى استعداد الدولة والمهنيين لإعادة توزيع السلطة التفاوضية بين المجهزين والبحارة. فالمعادلة التي حكمت العلاقة بين الطرفين لعقود طويلة تبدو اليوم أمام امتحان حقيقي، هل يمكن بناء مرحلة جديدة يتقاسم فيها الطرفان تصوّر المستقبل والحقوق والواجبات، أم أننا بصدد إعادة إنتاج معادلة تقليدية يظل فيها البحار الحلقة الأضعف؟
وتؤكد بعض الأصوات النقابية في مرافعتها، أن إقصاء البحارة من المشاورات يمسّ بكرامتهم ويهمّش دورهم الحيوي في قطاع يقوم قبل كل شيء على جهدهم البدني وخبرتهم المتراكمة في عرض البحر. وهذه الإشارة ليست مجرد خطاب عاطفي، بل هي دعوة صريحة إلى وضع الإنسان في صلب إصلاحات السياسات البحرية، خصوصاً أن البحارة يشتغلون في ظروف قاسية تجعلهم عرضة لأخطار مهنية مرتفعة، بينما تظل حمايتهم الإجتماعية هشّة مقارنة بأهمية الدور الذي يقومون به.
لكن المثير للإنتباه أن هذا الغياب لا يتحمل مسؤوليته الطرف الحكومي وحده، إذ إن الساحة النقابية ذاتها تبدو عاجزة، أو مترددة، في القيام بأدوار الوساطة والتأطير والتعبئة. فالنقابات، التي يُفترض فيها مواكبة النقاش والإستباق بطرح بدائل وحلول واقعية، تبدو في كثير من الأحيان أسيرة منطق ردّ الفعل، أو غارقة في حسابات جانبية تفقدها القدرة على لعب دور محوري في الدفاع عن مصالح البحارة. ولعل هذا الضعف التنظيمي هو ما يجعل أي مبادرة تشاركية عرضة للإختلال، لأن غياب قوة تفاوضية حقيقية يترك المجال مفتوحاً أمام الجهات المنظمة لفرض تصوّرات قد لا تأخذ خصوصيات العمل البحري بعين الإعتبار.
إن القطاع اليوم في حاجة إلى نقابات فاعلة، نقابات قادرة على تحريك النقاش وصناعة الوعي المهني، لا الاكتفاء بانتظار ما ستقرره اللجان والمكاتب المركزية. فالرهان لا يقتصر على تحسين شروط وظروف العمل، بل يتجاوز ذلك إلى صياغة مستقبل قطاع كامل تستند استدامته إلى قاعدة بشرية يجب أن تشعر بأنها شريك كامل، لا مجرد تابع. وهذا الدور الحيوي لا يمكن أن يُنجز ما لم تسترجع النقابات قدرتها على التأطير والحضور القوي في الموانئ وعلى متن المراكب وفي قلب النقاش العمومي.
في الجانب الآخر، لا يمكن تجاهل أن الحوار الحقيقي هو وحده القادر على إنتاج تعاقدات عادلة وواقعية. فالمشرّع، مهما بلغ من دراية تقنية، لا يستطيع أن يستوعب تفاصيل الممارسة اليومية كما يعرفها البحارة أنفسهم. والمجهزون، مهما امتلكوا من رؤى استثمارية، لن ينجحوا في تثبيت نموذج تنموي مستدام إن لم يكن البحارة شركاء في صياغته. لذلك يصبح تغييبهم خطأً استراتيجياً، وليس مجرد خلل شكلي في تمثيلية قطاعية. لذلك فإن إشراك البحارة يضيف للقرار العمق والخبرة ويمنح التشريع مصداقية، ويقلل من فرص الاحتقان الإجتماعي الذي يسهل أن ينشأ حين يشعر البحارة بأن القرارات تصاغ من فوق رؤوسهم.
ويطالب فاعلون نقابيون بعقد لقاء تواصلي رسمي يضم ممثلي البحارة من مختلف الموانئ، ما يعكس رغبتهم في توسيع قاعدة النقاش وربط الإصلاح باحتياجات كل المناطق. وهذا المقترح يعيد الاعتبار لفكرة اللامركزية التشاركية داخل قطاع يختلف من ميناء لآخر من حيث طبيعة المصايد والمعدات والمخاطر.وحتى تقاسم مردودية الصيد . لكن السؤال الأعمق هو هل نحن أمام إرادة سياسية حقيقية لبناء نموذج تشاركي جديد، أم أن الأمر مجرد مرحلة تمهيدية داخل مسار إصلاحي قد يحسم دون منح البحارة ما يستحقونه من مكانة وصوت؟ كما أن النقابات، هل ستستفيق من سباتها وتسترجع قدرتها على التوجيه والدفاع، أم ستظل تتفرج على المفاوضات من خارج الطاولة؟
إن النقاش اليوم فرصة لإعادة ترتيب البيت الداخلي للقطاع. وكذا فرصة لإحياء مسار نقابي جديد يضع البحار في قلب أي تصور إصلاحي لاسيما وأن الإستراتيجية القطاعية ظل المسؤولون يؤكدون على ان العنصر البشري هو الرافعة الأساسية التي تدور عليها الدائرة الإصلاحية. وبالتالي فالنقاش هو فرصة أيضا لبناء تعاقد يضمن العدالة المهنية ويحمي المكتسبات التاريخية التي انتُزعت بجهد وتضحيات. لأن ما يحتاجه القطاع ليس مجرد وثيقة تعاقدية تُصاغ على طاولة مغلقة، بل رؤية مشتركة تُبنى بالحوار، ويشارك فيها أولئك الذين يواجهون الموج كل يوم. لأن في النهاية، لا يمكن صناعة مستقبل الصيد البحري دون من يصنعون يومه.



























ملاحضات تضمنها تقرير المجلس الأعلى للحسابات حول مخطط اليوتيس لسنة 2018.
نص مخطط أليوتيس على ضمان استفادة العاملين بقطاع الصيد البحري من حد أدنى من الدخل الشهري، وعلى الإستفادة من التغطية الإجتماعية بالنسبة لكل بحار.
كما كان مقررا كذلك إقرار حد أدنى للدخل لكل بحار حسب قطاع الصيد الذي يزاول به مهامه، وذلك بالتشاور مع ممثلي المهنة.
غير أنه لوحظ أنه بالنسبة لقطاعي الصيد الساحلي والتقليدي لا يوجد حد أدنى مضمون للأجر، وأن هذا الأخير يتم تحديده عن طريق توزيع قيمة منتوج السفن بالحصص بين أرباب السفن والعاملين بها.
وحتى نهاية سنة، 2017 لم
يتم تحديد أي حد أدنى لدخل البحار حسب قطاع الصيد كما هو منصوص عليه في مخطط أليوتيس.
ويصعب كذلك تعميم الإستفادة من الضمان الإجتماعي في قطاع الصيد من خلال تسجيل البحارة لدى الصندوق الوطني للضمان الإجتماعي، خاصة في قطاع الصيد التقليدي، وذلك بسبب عدم وجود حد أدنى شهري للأجور، والعمل المتقطع للصيادين بسبب الراحة البيولوجية وغيرها، وحركة الصيادين عبر المناطق، وكذا ممارسة حرف أخرى من قبل البحارة بالإضافة إلى نشاط الصيد.
وينطبق الشيء نفسه على تفعيل التغطية ضد حوادث الشغل لفائدة البحارة، والتي يظل تطبيقها ممكنا فقط لفائدة العاملين بقطاعي الصيد الساحلي والصيد في أعالي البحار.
الجزء الرابع : البحارة.
الباب الأول : عقدة التزام البحارة وشكلها وكيفية اثباتها.
غيّر وتمم بموجب الظهير الشريف 6 يوليوز 1953 ج.ر رقم 2127 بتاريخ 31-07-1953.
https://maroctl.com/ar/%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%82%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%AD%D8%B1%D9%8A/%D9%82%D8%A7%D9%86%D9%88%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%AC%D8%A7%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%AD%D8%B1%D9%8A%D8%A9-2/#%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%A7%D8%A8_%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%88%D9%84_%D8%B9%D9%82%D8%AF%D8%A9_%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B2%D8%A7%D9%85_%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%AD%D8%A7%D8%B1%D8%A9_%D9%88%D8%B4%D9%83%D9%84%D9%87%D8%A7_%D9%88%D9%83%D9%8A%D9%81%D9%8A%D8%A9_%D8%A7%D8%AB%D8%A8%D8%A7%D8%AA%D9%87%D8%A7